تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
السكينة التي تتغشاه ، لقوله تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) ( 1 ) ، ويكون استغفاره عندها إظهار العبودية والافتقار . وقال ابن عطاء : استغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الاستغفار ، وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام يغشى قلبه ، فيستغفر حينئذ شكرا لله - تعالى ، وملازمة لعبوديته كما قال في ملازمة العبادة : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ . وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما روى في بعض طرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه ليغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة ، فاستغفر الله . قال القاضي فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى - لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) ( 2 ) ، وقوله - تعالى - لنوح عليه السلام : ( فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) ( 3 ) ، فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا صلى الله عليه وسلم : لا تكونن ممن يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى ، وفي آية نوح : لا تكونن ممن يجهل أن وعد الله حق ، لقوله - تعالى : ( إن وعدك الحق ) ، إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله ، وذلك لا يجوز على الأنبياء ، والمقصود : وعظهم أن يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين ، كما قال : ( إني أعظك ) وليس في آية منهما دليل على كونهم على تلك الصفة التي نهاهم عن الكون عليها ، فكيف وآية نوح : ( فلا تسألن ما ليس لك به علم ) ؟ فحمل ما بعدها على ، قبلها أولى ، لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن ، وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداء فنهاه الله - تعالى - أن يسأله عن ما طوى علمه عنه ، وأكنه في غيبه ، من السبب الموجب لهلاك ابنه ، ثم أكمل الله - تعالى - نعمته بإعلامه ذلك بقوله : ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) حكى معناه مكي .
هامش
( 1 ) التوبة : 40 . ( 2 ) الأنعام : 35 . ( 3 ) هود : 46 .