الربذة من قبل نفسه ، لما رأى عثمان لا ينزع له ، وأخرج معاوية أهله من بعده ،
فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل ، فقال : أنظروا إلى هذا الذي يزهد
في الدنيا ما عنده ، فقالت امرأته : أما والله ما فيه دينار ولا درهم ، ولكنها فلوس
إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا " لحوائجنا .
ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصلاة ، وعليها رجل يلي الصدقة ، فقال :
تقدم يا أبا ذر ، فقال : لا ، تقدم أنت ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي : إسمع
وأطع ، وإن كان عليك عبد مجدع ، فأنت عبد ، ولست بأجدع ، وكان من رقيق
الصدقة ، وكان أسود يقال له مجاشع ( 1 ) .
على أن رواية اليعقوبي إنما تذهب إلى أن معاوية كتب إلى عثمان : إنك
قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر ، فكتب إليه : أن أحمله على قتب بغير
وطاء ، فقدم به إلى المدينة ، وقد ذهب لحم فخذيه ، فلما دخل إليه ، وعنده
جماعة قال : بلغني أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا كمل بنو أمية
ثلاثين رجلا " ، اتخذوا بلاد الله دولا " ، وعباده خولا " ، ودين الله دغلا " ، فقال : نعم ،
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ، فقال لهم : أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ؟
فبعث إلى علي بن أبي طالب ، فأتاه ، فقال : يا أبا الحسن : أسمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما حكماه أبو ذر وقص عليه الخبر ، فقال علي : نعم ، قال :
وكيف تشهد ؟ قال : لقومه صلى الله عليه وسلم : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ، ذا لهجة
أصدق من أبي ذر .
فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان : والله لتخرجن عنها ، قال :
أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال : نعم ، وأنفك راغم ، قال : فإلى مكة ؟ قال :
لا ، قال : فإلى البصرة ؟ قال : لا ، قال : فإلى الكوفة ؟ قال : لا ، ولكن إلى
هامش
( 1 ) تاريخ الطبراني 4 / 284 - 283 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 115 - 116 .