الحجاج الثقفي في الكوفة عام 84 ه / 803 م ، ثم قتل ، لجأ أنصاره - ولم يكونوا
شيعة ، كما أن عبد الرحمن وأباه وجده لم يكونوا شيعة ، بل كانوا من أعداء
الإمام علي بن أبي طالب - لجأوا إلى التقية ، حين سامهم الحجاج الخسف ،
ومن الغريب أن هذا الحجاج الثقافي لم يبغ سوى إذلال الرجال ، والازدراء
بأعدائه ( 1 ) .
وإنه - كما يقول الدكتور الشيبي - لمزاج غريب حقا " ، حمل الحجاج
الناس على الكفر شرطا " لإطلاق سراحهم وإهدار دمهم مع الإيمان ، وتلك
- على كل حال - صورة مما آلت إليه حال العالم الإسلام في أواخر القرن الأول
الهجري ( 2 ) .
ولعل من أوضح الأدلة على رسوخ التقية في نفوس المسلمين عموما " في
هذا الوقت أن الشعبي ( 3 ) ( 19 - 103 ه / 640 - 721 م ) - والذي يمثل في
هامش
( 1 ) روى ابن الأثير : أن الحجاج بعد أن فرغ من أمر ابن الزبير ، سار إلى المدينة ، وكان
عبد الملك بن مروان قد استعمله على مكة والمدينة ، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا " أو شهرين ،
فأساء إلى أهلها واستخف بهم ، وقال : أنتم قتله أمير المؤمنين عثمان ، وختم أيدي جماعة من
الصحابة بالرصاص ، استخفافا " بهم ، كما يفعل بأهل الذمة ، منهم جابر بن عبد الله الأنصاري ،
وأنس بن مالك وسهل بن سعد بن أبي وقاص ، ثم عاد إلى مكة فقال : الحمد لله الذي أخرجني
من أم نتن ، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين ، وأحسدهم له على نعمة الله ، والله لولا ما
كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم ، لجعلتها مثل جوف الحمار ، أعوادا " يعودون بها ، ورمية قد
بليت ( الكامل في التاريخ 4 / 358 - 359 ) هذا وقد اتخذ الحجاج سجونا " لا تقي من حر ولا برد ،
وكان يعذب المساجين بأقصى ألوان العذاب وأشده ، فكان يشد على يد السجين القصب الفارسي
المشقوق ويجر عليه ، حتى يسيل دمه ، وقد مات في سجن الحجاج قرابة خمسين ألف رجل ،
وثلاثين ألف امرأة ، منهن ست عشرة ألفا " مجردات من الثياب ، وكان يحبس النساء والرجال في
مكان واحد ( الدميري : حياة الحيوان 1 / 170 ) وأحصى في سجنه قرابة ثلاثة وثلاثين ألف
سجين ، لم يحبسوا في دين ولا تبعة ( ياقوت : معجم البلدان 5 / 349 ، المسعودي : مروج الذهب
3 / 165 ) ، وكان يمر على أهل السجون فيقول لهم : إخسأوا فيها ، ولا تكلمون ( ابن حجر
العسقلاني : تهذيب التهذيب 2 / 212 ) .
( 2 ) كامل الشيبي : المرجع السابق ص 241 .
( 3 ) الشعبي : هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار ( قيل من أقيال اليمن ) الشعبي ، ولد
بالكوفة 19 ه / 640 م ، وقد اتصل بعبد الملك بن مروان ، وكان سفيرا " له إلى ملك الروم ، وعينه عمر بن عبد العزيز قاضيا " ، وكان محدثا " وعالما " بالفقه والمغازي ، عارفا " بالشعر ، رواية له روى
أن ابن عمر بن الخطاب مر به وهو يحدث بالمغازي ، فقال : شهدت القوم وإنه أعلم بها مني
وقال الزهري : العلماء أربعة : ابن المسيب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري
بالبصرة ، ومكحول بالشام وانظر عن مصادر ترجمته ( شذرات الذهب 1 / 126 - 128 ، وفيات
الأعيان 3 / 12 - 16 ، طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256 ، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233 ، حلية
الأولياء 4 / 310 - 338 ، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 79 - 88 التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69 ،
تقريب التهذيب لابن حجر 1 / 387 ، الأعلام للزركلي 4 / 18 - 19 ، معجم المؤلفين لكحالة
5 / 54 ، المعارف لابن قتيبة ص 229 ، سمط اللآلي للبكري ص 751 ، تهذيب تاريخ دمشق
لابن عساكر 7 / 138 ، عبر الذهبي 1 / 127 ، فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي 2 / 68 - 69
- الرياض 1983 .