يقدر المستنبط على تشخيص الثقة عن غيره ، والصالح للاستدلال عن غير
الصالح ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يستغني عنها المستنبط الا بالرجوع
إلى الكتب المعدة لبيانها .
وهناك رأي ثالث يبدو أنه أقوى الآراء في باب حجية الخبر ، وهو أن
الخارج عن تحت الظنون المنهية ، هو الخبر الموثوق بصدوره وان لم تحرز
وثاقة الراوي ، ومن المعلوم أن إحراز هذا الوصف للخبر ، يتوقف على جمع
أمارات وقرائن تثبت كون الخبر مما يوثق بصدوره . ومن القرائن الدالة على
كون الخبر موثوق الصدور ، هو العلم بأحوال الرواة الواقعة في اسناد الاخبار .
وهناك قول رابع ، وهو كون الخارج عن تحت الظنون التي نهي عن
العمل بها عبارة عن قول الثقة المفيد للاطمئنان الذي يعتمد على مثله العقلاء
في أمورهم ومعاشهم ، ولا شبهة أن إحراز هذين الوصفين أعني كون الراوي
ثقة والخبر مفيدا للاطمئنان لا يحصل الا بملاحظة أمور . منها الوقوف على
أحوال الرواة الواقعة في طريق الخبر ، ولأجل ذلك يمكن أن يقال : إنه لا
منتدح لأي فقيه بصير من الرجوع إلى " علم الرجال " والوقوف على أحوال
الرواة وخصوصياتهم ، إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في ذلك العلم .
وانما ذهب هذا القائل إلى الجمع بين الوصفين في الراوي والمروي
( أي وثاقة الراوي وكون المروي مفيدا للاطمئنان ) ، لان كون الراوي ثقة لا
يكفي في الحجية ، بل يحتاج مع ذلك إلى إحراز كون الخبر مفيدا للاطمئنان ،
ولا يتحقق إلا إذا كان الراوي ضابطا للحديث ناقلا إياه حسب ما ألقاه الإمام عليه السلام
، وهذا لا يعرف إلا بالمراجعة إلى أحوال الراوي ، ومن المعلوم
أن عدم ضابطية بعض الرواة مع كونهم ثقات أوجد اضطرابا في الأحاديث
وتعارضا في الروايات ، حيث حذفوا بعض الكلم والجمل الدخيلة في فهم
الحديث ، أو نقلوه بالمعنى من غير أن يكون اللفظ كافيا في إفادة مراد الإمام عليه السلام
.
كليات في علم الرجال — صفحة 23
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٣