تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
ومن كلامه عليه : ( خير المال ما وقى العرض ) رواه جماعة : ومنهم الحافظ الجمال أبو الحجاج يوسف المزي في ( تهذيب الكمال ) ( ج 6 ص 406 ط مؤسسة الرسالة في بيروت ) قال : وقال محمد بن يونس الكديمي ، عن الأصمعي ، عن ابن عون : كتب الحسن إلى الحسين يعتب عليه إعطاء الشعراء ، فكتب إليه : إن خير المال ما وقي العرض . رواها يحيى بن معين عن الأصمعي ، قال : بلغنا عن ابن عون . ومن كلامه عليه السلام : ( لا تتكلف ما لا تطيق ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد ) رواه جماعة : فمنهم الفاضل المعاصر الشريف علي بن الدكتور محمد عبد الله فكري الحسيني القاهري المولود بها 1296 ه والمتوفى بها أيضا 1372 ه في ( أحسن القصص ) ( ج 4 ص 229 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) قال : نهيه عن الاسراف والتبذير ، كان الحسين رضي الله عنه مع جوده الذي امتاز به ، وكرمه الذي يندر نظيره ، لا يتجاوز حد السخاء إلى الاسراف ، وينهى عن التبذير ، فقد روي عن ياقوت المستعصي في أسرار الحكماء قوله : لا تتكلف ما لا تطيق ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد . ومن كلامه عليه السلام للوليد في يزيد اللعين رواه جماعة ( 1 ) :
هامش
( 1 ) الفاضل المعاصر محمد رضا أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول سابقا في كتابه : ( الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ص 143 ط دار الكتب العلمية بيروت قال : وقال الإمام ابن حنبل بكفر يزيد . ونقل صالح بن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما ، قال : قلت لأبي : يا أبت أتلعن يزيد ؟ فقال : يا بني كيف لا نلعن من لعنه الله تعالى في ثلاث آيات من كتابه العزيز في الرعد والقتال والأحزاب . قال تعالى : ( والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) وأي قطيعة أفظع من قطيعته صلى الله عليه وسلم في ابن بنته الزهراء . وقال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) وأي أذية له صلى الله عليه وسلم فوق قتل ابن بنته الزهراء ؟ وقال تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) وهل بعد قتل الحسين رضي الله عنه إفساد في الأرض أو قطيعة للأرحام ؟ ا ه . وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية : اتفقوا على جواز لعن من قتل الحسين أو أمر به أو أجازه أو رضي به قال : والحق إن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان تفصيله آحادا . فنحن لا نتوقف في شأنه بل في كفره ، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه . لكن ليس في الروايات التي ذكرناها ما يثبت أن يزيد أمر بقتل الحسين وقال يزيد حين بلغه قتل الحسين قد كنت أقنع بطاعتكم بدون قتل الحسين . قال الذهبي في يزيد : كان ناصبيا ( يتدين ببغض علي ) ، فظا ، غليظا ، يتناول المسكر ويفعل المنكر . افتتح دولته بقتل الحسين . وختمها بوقعة الحرة . فمقته الناس ولم يبارك في عمره وخرج عليه غير واحد بعد الحسين ، وذكر من خرج عليه . وقال في الميزان : إنه مقدوح في عدالته ، ليس بأهل أن يروى عنه . وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين يزيد فضربه عمر عشرين سوطا . واستفتي الكيا الهراسي فيه فذكر فصلا واسعا في مخازيه ثم قال : ولو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل . جاء في مروج الذهب للمسعودي في أخبار يزيد أنه كان صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب . وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين ، فأقبل على ساقيه فقال : اسقني شربة تروي مشاشي * ثم صل فاسق مثلها ابن زياد صاحب السر والأمانة عندي * ولتسديد مغنمي وجهادي ثم أمر المغنين فغنوا ، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق ، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب ، وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضر مجلس منادمته ويطرح له متكأ ، وكان قردا خبيثا ، وكان يحمله على أتان وحشية قد ربضت وذللت لذلك بسرج ولجام ، ويسابق بها الخيل يوم الحلية . فجاء في بعض الأيام سابقا فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل وعلى أبي قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشهر ، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق ، وعلى الأتان سرج من الحرير منقوش ملمع بأنواع من الألوان ، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم : تمسك أبا قيس بفضل عنانها * فليس عليها إن سقطت ضمان ألا من رأى القرد الذي سبقت به * جياد أمير المؤمنين أتان وفي يزيد وتملكه وتجبره وانقياد الناس إلى ملكه يقول الأحوص : ملك تدين له الملوك مبارك * كادت لهيبته الجبال تزول تجبى له بلخ ودجلة كلها * وله الفرات وما سقى والنيل ولما شمل الناس جور يزيد وعماله ، وعمهم ظلمه وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول الله وأنصاره وما ظهر من شرب الخمور ، أخرج أهل المدينة عامله عليهم وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وسائر بني أمية وذلك لما أظهر ابن الزبير الدعوة لنفسه في سنة 63 ه فلما علم بذلك يزيد سير إليهم بالجيوش من أهل الشام ، عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها وقتل أهلها وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد وسماها نتنة ، وقد سماها رسول الله طيبة . ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسرف خرج إلى حربه أهلها فكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم ، ثم خرج مسرف إلى مكة ، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف واستخلف على الجيش الحصين بن نمير فسار إلى مكة وأحاط بها ونصب فيمن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد فانهدمت الكعبة واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير واتصل الأذى بالأحجار والنار والسيف . ففي ذلك يقول أبو حرة المديني : ابن نمير بئس ما تولى * قد أحرق المقام والمصلى أوردنا هنا سيرة يزيد ونوادره وهي سيرة لا ترضي أحدا ، فقد ثبت من عدة مصادر أنه كان يحتسي الخمر ويتباهى بشربها ، وأنه كان مولعا بالنساء والملاهي والألعاب وأعمال الطائشين ، وقد كان الحسين رضي الله عنه معذورا في القيام في وجهه وتضحيته نفسه لأن هذه أخلاق منكرة يجب محاربتها ، ولم يطق أهل المدينة ومكة هذا الظلم والجور وارتكاب الموبقات وانتشار الخمور في بلادهم المقدسة التي هي موضع احترام المسلمين كافة فقاموا بثورة كبيرة لا تأييدا لابن الزبير فقط ، بل سخطا على هذه الفوضى وتمكنوا من طرد بني أمية غير أن يزيد استعان عليهم بجيش الشام . ومات يزيد بحوارين من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة 64 ه وهو ابن 33 سنة ، وفي ذلك يقول رجل من عنزة : يا أيها القبر بحوارينا * ضممت شر الناس أجمعينا وقال العلامة الشريف أحمد بن محمد بن أحمد الحسيني الخوافي [ الحافي ] الشافعي في ( البر المذاب ) ص 102 المخطوط قال : والعجب من قوم يدعون الاسلام ويظهرون شعاره وهم مع ذلك يصوبون فعل يزيد في الحسين ابن علي عليه السلام مع علمهم بأنه كان يشرب الخمر ويلبس الحرير ويتلعب بالقردة ويحيى الليل بالمعازف وأصوات القينات ويقرب الفساق ويصرف لهم من بيت المال ما يصرفوه في اللهو والخمور ويحرم أفاضل الصحابة والتابعين ولم يكن له عند أهل العلم ذكر ولا دنوة في تصانيفهم ولا رووا عنه حديثا واحدا ولم يكن يحفظ من كتاب الله تعالى إلا القليل ولا أحرز من سنة الله ورسوله شيئا وكان شعره التشبيب والغناء بالخمر والنساء والصبيان حكم ثلاث سنين أول سنة أمر بقتل الحسين عليه السلام لعبيد الله بن زياد وأمره بتجهيز رأسه وحريمه إليه سبايا إلى دمشق وشرب على رأسه الخمر ونكث ثناياه بالقضيب ولم يرع له حرمة وثاني سنة سبى المدينة الشريفة النبوية وأباحها ثلاثة أيام وروى الإمام أحمد في المسند عن أنس بن عباس عن يزيد بن حصينة عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار عن السايب بن خلاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أخاف المدينة ظالما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا . وروى الإمام البخاري عن حسين بن حريث عن الفضل عن جعد عن عايشة قالت سمعت سعدا يقول لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع الايمان من قلبه كما ينماع الملح في الماء وأخرجه مسلم أيضا بمعناه وفيه أيضا لا يريد أهل المدينة أحد بسوء إلا أذابه الله في النار كما يذوب الرصاص . وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها لا يراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يحبط فيها شجرة إلا لعلف أخرجه مسلم في صحيحه وعنه صلى الله عليه وسلم أيضا المدينة حرام ما بين عير إلى ثور ويقال عاير فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا خلاف أن يزيد أخاف المدينة وسبى أهلها ونهبها وأباحها في وقعة الحرة . وسببه ما رواه الواقدي وابن إسحاق وهشام بن محمد إن جماعة من أجلا أهل المدينة وفدوا على يزيد سنة اثنتين وستين بعد مقتل الحسين عليه السلام فرأوه يشرب الخمر ويلعب بالطنابير فلما عادوا إلى المدينة أظهروا سبه ولعنه وخلعوه وطردوا عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان وقالوا قدمنا من عند رجل لا دين له يسكر ويدع الصلاة وبايعوا عبد الله بن حنظلة ابن الغيل وكان ابن حنظلة يقول يا قوم ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمور ويقتل أولاد الأنبياء والله لو لم يكن عندي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلا حسنا فبلغ ذلك يزيد فبعث بمسلم بن عقبة المري في جيش كثيف من أهل الشام فقتل حنظلة والأشراف وأقام بالمدينة ثلاثة أيام ينهب المال ويهتك الحريم وذكر المدائني في كتاب وقعة الحرة عن الزهري قال كان القتلى يوم الحرة سبع مائة من وجوه قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي وأما من لم يعرف من حر أو عبد أو امرأة فعشرة آلاف وخاض الناس في الدماء حتى بلغ قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتلأت الروضة الشريفة والمسجد منه قال مجاهد التجأ الناس إلى حجرة الرسول ومنبره والسيف يعمل فيهم وكانت وقعة الحرة ثلاثا وستين في ذي الحجة وذكر المدائني عن أبي وقرة قال هشام بن حسان ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج وقال غيره عشرة آلاف قال الشعبي وكل ذلك برضى يزيد لإرساله الجيش وهو دليل الرضى بالفعل . وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل إثمان إثم الرضا وإثم العمل وفي السنة الثالثة جهز جيشا إلى مكة شرفها الله ، حاصرها وهتك حرمتها وقد كرمها الله إلى يوم القيامة فمن حرمتها إن الله حرم صيدها وقطع شجرها واخلاء خلائها وحرم القتل والقتال فيها ولم تحل لأحد إلا النبي صلى الله عليه وآله كما أخبر به تعالى ( وأنت حل بهذا البلد ) قال صلى الله عليه وسلم لم يحل لأحد قبلي ولا بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار حتى أن الاحتكار في مكة الحاد وضرب الخادم الحاد والصغيرة بها كبيرة فكيف لمن قصد هدم الكعبة وأباح حرمتها . وقد قال عز وجل : ( ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب السعير ) وكان أمير جيشه مسلم بن عقبة فمات في أثناء الطريق فاستخلف على الجيش الحصين بن النمير السكوني فضرب الكعبة بالمناجيق وهدمها وحرقها وإلى الآن أثر الحرث على حجارتها وكان بينها وبين موت يزيد ثلاثة أيام ، أمهله الله بل أخذه أخذ القرى وهي ظالمة فظهرت فيه الآثار النبوية والإشارات المحمدية والمقادير الإلهية . وقال في ص 104 : قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الرد على المتعصب العنيد في تصويب فعل يزيد ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين عليه السلام وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشمر على حمل الرؤس إليه وإنما العجب صب الخمر على رأس الحسين عليه السلام وضربه بالقضيب على ثناياه وأمر ابن زياد بحمل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا على أقتاب الجمال وعزمه على دفع فاطمة بنت الحسين عليه السلام للرجل الذي طلبها منه وإنشاده شعر ليت أشياخي ببدر شهدوا الخ . أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج أليس بإجماع المسلمين إن قتلى المسلمين يكفنون ويصلى عليهم ويدفنون وقول يزيد لفاطمة بنت الحسين عليه السلام لي أن أسبيكم لما طلبها الرجل وهذا قول لا يقنع لقائله وفاعله باللعنة ولو لم يكن في قلبه أحقاد الجاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل إليه ولم يضربه بالقضيب ولا صب عليه جرعة الخمر ولكفنه ودفنه وأحسن إلى آل الرسول صلى الله عليه وسلم . والدليل على صحة ذلك أنه استدعى ابن زياد وشكره على فعله وأعطاه أموالا جزيلة وتحفا كثيرة من بيت مال المسلمين وقرب مجلسه ورفع منزلته وأدخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليله فقال للمغني غن ثم أنشد بديها : سقني شربة تروي فؤادي * ثم ملي فسق ابن زياد صاحب السر والأمانة عندي * ولتسديد مغنمي وجهادي قاتل الخارجي أعني حسينا * ومبيد الأعداء والأضداد قال ابن عقدة مما يدل على كفره وزندقته فضلا عن سبه ولعنه أشعاره التي أفصح فيها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمير والاعتقاد فمنها قوله في قصيدته التي أولها : علية هاتي علليني واعلني * بذلك أني لا أحب التناجيا حديث أبي سفيان قدما بتمامها * إلى أحد حتى أقام البواكيا ألا هات سقيني على ذاك قهوة * تخيرها العلني كرماشاميا إذا ما نظرنا في أمور قديمة * وجدنا حلالا شربها متواليا وإن مت يا أم الاحيمر فانكحي * ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا فإن الذي حدثت من يوم بعثنا * أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا وله أيضا : معشر الندمان قوموا * واسمعوا صوت الأغاني واشربوا كأس مدام * واتركوا ذكر المغاني شغلتني نغمة العيدان * عن صوت الأذان وتعوضت عن الحور * خمورا في الدنان وقال أيضا في ص 106 : قال أبو الفرج ابن الجوزي وغير ذلك من أشعاره مما نقلته من ديوانه ولهذا تطرق إلى هذه الأمة العار بولايته عليها حتى قال أبو العلاء المعري في قصيدته التي أولها : أرى الأيام تفعل كل نكر * فما أنا بالعجائب مستزيد أليس قريشكم قتلت حسينا * وكان على خلافتكم يزيد قال سبط ابن الجوزي لما لعن جدي يزيد بحضرة الإمام الناصر للحق أحمد وكان في الحضرة أكابر العلماء بعد أن خطب وأبلغ على أعواد المنبر فسمع ذلك جماعة من الجفاة فقاموا من المجلس فقال لما أن خرجوا ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود وحكى بعض أشياخنا عن ذلك اليوم إن جماعة سألوا جدي عن يزيد فقال ما تقولون في رجل وله ثلاث سنين : الأولى قتل فيها الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثانية أخاف المدينة وأباحها . والثالثة رمى الكعبة بالمناجيق وهدمها وحرقها فقالوا من فعل هذا يلعن فقال العنوه . وذكر جدي أبو الفرج في كتاب الرد على المتعصب العنيد المانع من لعن يزيد قال سألني سائل فقال ما تقول في يزيد قلت يكفيه ما به فقال أيجوز لعنته قلت قد أجازه العلماء الورعون : منهم الإمام أحمد بن حنبل فإنه ذكر في حقه ما يزيد اللعنة فإنه سئل عن يزيد فقال هو الذي فعل ما فعل قيل وما فعل قال قتل الحسين عليه السلام ونهب المدينة وخرب الكعبة قيل فنذكر عنه الحديث قال ولا كرامة لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه الحديث وحكى أبو الفرج بن الجوزي عن القاضي أبي يعلى بن الفراء في كتابه المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال قلت لأبي أن قوما ينسبوننا إلى توالي يزيد فقال يا بني وهل يتوالى يزيد أحد يوهن بالله فقلت لم لا تلعنه فقال يا بني لم لا يلعن من لعنه الله في كتابه قال فقلت وأين لعن قال في قوله تعالى : ( فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) فهل يكون فساد أعظم من نهب المدينة وإباحتها وهدم الكعبة وإحراقها وقطع الرحم بقتل الحسين عليه السلام . قال القاضي في الكتاب المذكور الممتنع من جواز لعن يزيد إما أن يكون غير عالم بجوازه أو منافقا يريد أن يوهم بذلك وربما استقر الجهال بشبهة قوله عليه السلام المؤمن لا يكون لعانا وهذا محمل على من لا يستحق اللعن وقد لعن الله الظالمين في عدة مواضع من القرآن وأي ظلم أعظم من قتل الحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة وريحانة نبي هذه الأمة ونهب المدينة وهدم الكعبة وشرب الخمر والزنا واللعب بالقردة والطنابير وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وبايعها وحاملها والمحمولة إليه وحاضرها وعاصرها فإن استدل المتعصب العنيد ليزيد بحديث القسطنطنية قوله صلى الله عليه وسلم أول جيش يغزو القسطنطنية مغفور له ويزيد أول من غزاها فنقول الحديث يتناول أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه فإنه كان معهم وهو من أجلا الصحابة وهو أحق بالتبعية وإن كان تابعا في الظاهر وتولية يزيد وتغلبه عليها مع كراهة المسلمين له لا اعتداد بها فالحديث يتناول من سبقت لله سبحانه فيه العناية لا لمن سبقت له الشقاوة ونقول أيضا الحديث معارض لقوله صلى الله عليه وسلم من أخاف المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وغزو القسطنطنية أول سنة من ولايته وغزو المدينة ثاني سنة منها والآخر ينسخ الأول فعلمنا أن الحديث الأول غير متناول له ولعدم الخلاف في أن يزيد هو الذي أخاف المدينة وقتل رجالها ونهب مالها فلا يتناوله حديث القسطنطنية وإلا لزم التناقض وتضاد الحديثين لعدم جواز أن يكون مغفورا له على مقتضى الحديث الأول مع صحة الحديثين وعدم إمكان الجمع بينهما . وذكر علماء السير عن الحسين البصري أنه قال قد كان في معاوية هنآت لو لسقى أهل الأرض الله ببعضها لكفاهم : وثوبه على هذا الأمر واقتطاعه من أهله وادعاه زيادا وقتله حجر بن عدي صاحب رسول الله وصحبه وسمه الحسن عليه السلام بن فاطمة ومحاربته عليا ثمانية عشر شهرا وتوليته يزيد على الناس مع علمه أنه شريب خمير يلبس الحرير ويلعب بالطنابير وقد كان معاوية يقول لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي فدل على أنه أقام يزيد لغلبته هواه ومحبته له لا للاستحقاق فيه وذكر عين القضاة أبو القاسم علي بن محمد السمناني في تاريخه قال لما وضع رأس الحسين بن علي عليه السلام بين يدي يزيد بن معاوية وكان بيده قضيب فكشف عن شفتيه وثناياه ونكتهما بالقضيب وتمثل بالأبيات المشهورة ، ليست أشياخي ببدر شهدوا فرأى تغير وجوه أهل الشام مما شاهدوا منه وثقل عليهم ما جرى على أهل البيت عليهم السلام خاف مما شاهد من الناس عند ذلك فقال أتدرون من أين دهى أبو عبد الله الحسين عليه السلام فقالوا لا قال إنما دهى من حيث الفقه كأني به وقد قال أنا خير من يزيد وأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وجدي خير من جده وعمي خير من عمه وخالي خير من خاله وأما أنا فقد رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعني في حجره وحملني على ظهره وجعلني ريحانته وشهد لي بأني سيد شباب أهل الجنة ودعا لي ولنسلي بالبركة فأنا أحق بهذا الأمر من يزيد . ولكن ما لحظ قوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) فسرى عن وجوه أهل الشام ما كانوا فيه لما سمعوه منه وظنوا أن الأمر كما قال وليس تأويل الآية ما ذكر ولا أراد الله تعالى ما ذهب الجاهل وإنما أراد الباري سبحانه بالملك الذي أضافه إليه إنما الملك بالحق والاستحقاق والعدل وتعز من تشاء بالطاعة التي يطاع بها في الدنيا والآخرة بالجنة والثواب وتذل من تشاء بالمعصية وقيام الحد عليه في الدنيا ، وفي الآخرة عذاب النار . وأما التغلب على الملك وأخذه بغير استحقاق فلا يقال إنه داخل في الآية الشريفة وقد انتقم الله عز وجل في الدنيا من كل من أعان على الحسين عليه السلام . وخرج عليه على يد المختار بن أبي عبيد الثقفي أخذ كل من شهد بقتل الحسين بأقبح المثلات وأشنعها فلم يبق من الستة آلاف الذين قاتلوه بغير عمر بن سعد بن أبي وقاص أحد ولما أحضر عمر بن سعد بين يدي المختار قال والله هذا رجل يرضى بقتله أهل السماوات وأهل الأرض ثم أمر بقطع يديه ورجليه واحدة واحدة وسمل عينيه ثم أحرقه حيا وكان ولده حفص حاضرا وهو ابن أخت المختار فقال قتلتم أبا حفص لا خير في الحياة بعده فقال المختار صدقت والله لا خير لك فيها بعده اضربوا عنقه فضربت بين يديه ولم يأخذه لقرابة إليه عليه رأفة ثم قال عمر بالحسين عليه السلام وحفص بعلي بن الحسين ولا سواء والله لو قتلت بالحسين ثلاثة أرباع قريش ما وفوا ولا بأنملة منه . ثم قتل الشمر بن ذي الجوشن الضبابي أقبح قتلة أوطأ الخيل صدره وظهره حيا حتى هلك لعنه الله وأما ابن زياد فإنه لما خرج من الكوفة قاصدا الشام استعمل على الكوفة من يثق به فخرج المختار عليه فقتله واستولى على الكوفة وقتل كل من خرج منها لقتال الحسين فبلغ ذلك ابن زياد فتجهز في ثلاثين ألفا من الشام فبلغ ذلك المختار فجهز إليه إبراهيم بن مالك الأشتر في سبعة آلاف وذلك في سنة سبع وستين فالتقيا على الزاب فقتله إبراهيم وكان من غرق أكثر ممن قتل والذي قتل ابن زياد شريك بن حريز التغلبي ثم إن إبراهيم أرسل برأس ابن زياد والفئ رأس إلى المختار فجلس في قصر الإمارة وألقيت الرؤس بين يديه فأمر بفرش الأنطاع عليها ثم جلس على الأنطاع وأمر بموائد الطعام فنصبت ثم قال الآن طاب الغذاء ثم أمر بإحراقها فقتل الله قتلة الحسين عليه السلام وقطع الله عز وجل نسلهم ولم يبق منهم أحد على وجه الأرض وآل رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرهم الله في المشرق والمغرب حتى لم يكن بقعة في بلاد الاسلام إلا وفيها منهم والسر في ذلك : إن الله تبارك وتعالى بارك عليهم فقال سبحانه ( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) والدعاء لهم على لسان كل مصل إلى يوم القيامة وهو قوله اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد . قال أبو القاسم السمناني وأعجب ما شوهد أن نسل الحسين عليه السلام ألوف في الدنيا رجال ونسأ لا يمكن حصرهم ولم يخلف ذكرا سوى زين العابدين عليه السلام ولا يعرف ليزيد نسل في الدنيا بل قرض الله نسله وأخلاهم من الدنيا ومات عن عشرين ذكرا وهذا سر من أسرار الله تعالى مجازاة لبني أمية على ما ارتكبوه من آل بيت الرسول لما أرادوا إبادتهم وإطفاء نورهم . قال تعالى : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ) قال إبراهيم النخعي والله لو كنت فيمت قاتل الحسين وأتتني المغفرة من ربي وأدخلني الجنة لاستحييت أن أمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينظر وجهي . وقال العلامة المؤرخ محمد بن مكرم المشتهر بابن منظور المتوفى 711 ه في ( مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ) ج 28 ط دار الفكر قال : عن عمر بن شبة قال : لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب ، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي ، فأمر بشرابه فرفع . وقيل له : إن ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه ، فحجبه ، وأذن للحسين ، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب ، فقال : لله در طيبك هذا ما أطيبه ، وما كنت أخشى أحدا يتقدمنا في صنعة الطيب ، فما هذا يا بن معاوية ؟ فقال : يا أبا عبد الله ، هذا طيب يصنع بالشام . ثم دعا بقدح فشربه . ثم دعا بآخر ، فقال : اسقي أبا عبد الله يا غلام ، فقال الحسين : عليك شرابك أيها المرء ، فلا عين عليك مني . فشرب يزيد ، وقال : [ من الهزج ] : ألا يا صاح للعجب * دعوتك ثم لم تجب إلى القينات والشهوات * والصهباء والطرب وباطية مكللة * عليها سادة العرب وفيهن التي تبلت * فؤادك ثم لم تثب فنهض الحسين وقال : بل فؤادك يا بن معاوية تبلت !
شرح إحقاق الحق — صفحة 606 | السيد شهاب الدين المرعشي النجفي / السيد محمود المرعشي