تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
صلى الله عليه وسلم ، إلا محزونة باكية . . . وعز العزاء وغلب الصبر ، ولم يبق لها من رجاء إلا أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل . . . وما أسرع ما لحقت به ! . . . أصبحت يوم الاثنين ، الثاني من رمضان سنة إحدى عشرة ، فعانقت أهلها وملأت عينيها منهم ، ثم دعت إليها ( أم رافع مولاة أبيها عليه الصلاة والسلام ، فقالت لها بصوت واهن خفيض : يا أمه ، اسكبي لي غسلا . . . واغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ، ثم لبست ثيابا لها جددا كانت قد نبذتها حدادا ، ثم قالت لأم رافع : اجعلي فراشي في وسط البيت . . . فلما فعلت ، اضطجعت عليه واستقبلت القبلة ، تتهيأ للقاء ربها ، ولقاء أبيها الحبيب . . . ثم أغمضت عينيها ونامت ! . . وقام علي فاحتملها باكيا ، ودفنها بالبقيع ، ثم ودعها وعاد محزونا إلى صغاره ، وإلى البيت الذي أوحش من بعد الزهراء . . . وبات المسلمون محزونين ، بعد أن شيعوا إلى القبر آخر بنات النبي صلى الله عليه وسلم ولما تمض ستة أشهر بعد وفاته ، على أرجح الأقوال . . . وعاد الشمل الممزق فالتأم من جديد ولكن في غير هذا العالم ، فضم ثرى طيبة جثمان فاطمة كما ضم جثمان أبيها صلى الله عليه وسلم وأخواتها الثلاث : زينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، رضوان الله عليهن . . . وطوى القدر الصفحة الأولى من حياة الزهراء ، ثم ما لبث أن عاد بعد حين لي الكتاب التاريخي الحافل ، ليملأه بنضال الشيعة ، ومأساة كربلا ، ومصارع الطالبيين ، وخدعة الدعوة العباسية ، وقيام الدولة الفاطمية ، وما حف بذلك من جليل الأحداث ، وما تخلف عن ذلك كله من بعيد الآثار في حياة العقيدة الاسلامية ، وفي التاريخ المذهبي والسياسي للمسلمين ! . . . وتتغير الأحداث والدول ، وتبقى أم أبيها ملء الحياة ، في ذريتها الطاهرة المباركة ، آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .