ولنختم هذا المقام بمحاكمة يحكم بحسنها العاقل المتصف بالانصاف ، وهو
أن نقول : إن أراد الأشاعرة بقولهم : إنه لا مؤثر في الوجود إلا الله ، أنه علة
قريبة لجميع الموجودات بأن يكون مؤثرا فيها لا بواسطة شئ آخر ، فهو بعيد
عن الصواب ، وخروج عن الملة الإسلامية ، وإسناد للقبائح والشرور إليه تعالى ،
وكل ذلك مستلزم للمحال ، ونقول للمعتزلة : إن أرادوا بكون العبد موجدا لفعله ،
أنه علة تامة لوجود أثره وانقطاع تأثير الله البتة سواء كان بواسطة أو بلا واسطة
فهذا أيضا بعيد عن الصواب ، لأن فعل العبد بالضرورة متوقف على قدرته وآلاته ،
وبالضرورة ليستا منه ، فلا يكون هو علة تامة في وجود أثره ، ثم نقول :
علة العلة هل هي علة بالحقيقة أم لا ؟ فإن كان علة العلة علة حقيقة كان الجميع
مستندا إلى الله تعالى ، لكن الأمر ليس كذلك ، بل علة العلة علة على سبيل
المجاز لوجوب استناد الأثر إلى المباشر القريب ، ولما كان العبد مباشرا قريبا
لفعله أسندت أفعاله الواقعة بحسب قصده إليه لأنه السبب في جودها ، مثال
ذلك : أن النحل موجد للعسل ، ولا يقال : إن النحل موجد للحلاوة في الذائقة
بل الموجد لها هو العسل ، لأنه العلة القريبة فيها ، والنحل أوجد الحلاوة
بواسطة العسل ، فهو علة للعلة لا علة حقيقة ، وعلى هذا تحمل الآيات الواردة ( 1 )
في القرآن العزيز التي بعضها تدل على استناد الأفعال إليه تعالى ، وبعضها على
شرح
( 1 ) الآيات التي يمكن للمتوهم استشمام رائحة الجبر منها مجتمعة في ست أنواع :
النوع الأول وهو العمدة في الباب الآيات المتضمنة لنسبة الاضلال إلى الله تعالى ، وهي .
اثنتان وثلاثون آية : ( 1 ) في سورة المدثر الآية 31 ( 2 ) فاطر 8 ( 3 ) النحل 93
( 4 ) إبراهيم 4 ( 5 ) الرعد 27 ( 6 ) الشورى 44 ( 7 ) الشورى 46
( 8 ) غافر 33 ( 9 ) الزمر 36 ( 10 ) الكهف 17 ( 11 ) الاسراء 97 ( 12 ) الرعد 33
( 13 ) الأعراف 186 ( 14 ) الأعراف 178 ( 15 ) النساء 143 ( 16 ) النساء 88