والقبائح التي لا يفعلها الله تعالى ما يكون مفاسده في نظام الوجود أكثر من مصالحه
عند العقل ، وما هو محل النزاع من القبائح والمفاسد الصادرة من العباد كالزنا
واللواطة والسرقة ونحوها مما لا يجد العقل السليم فيها فائدة ونفعا أصلا في
حفظ النظام ، ولو كانت فيها مصلحة فهي أقل من مفاسدها ، بخلاف ما قد يستقبحه
العقل في بادي النظر من أفعاله تعالى ، فإنه إذا تأمل فيها العاقل ربما يطلع على
ما فيها من حكم ومصالح لا تحصى ، فيعود الاستقباح في نظره استحسانا كما في
قصة موسى مع الخضر عليهما السلام من خرق السفينة وقتل الغلام ، وكما في
تعذيب الإنسان ولده أو عبده للتأديب والزجر عن المنكرات ، وإليه أشار تعالى
بقوله : إني أعلم ما لا تعلمون ( 1 ) ، وبه يتبين حسن خلق الحشرات والسباع
المؤذيات وإبليس وذريته وتبعته ( خ ل تبقيته ظ ) وإماتة الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام ، وأما ما ذكره بعض متصوفة أهل السنة موافقا لبعض المتفلسفة :
من أن الشهوة مثلا من حيث إنها ظل المحبة الذاتية السارية في الوجود محمودة
عدمها وهو العنة مذمومة من حيث إنها ليست سبب بقاء النوع ، ومن حيث إنها
موجبة للذة التي هي نوع من التجليات الجمالية أيضا محمودة ، وعند وقوعها
على غير موجب الشرع مذمومة ، لكونها سببا لانقطاع النسل وموجبا للفتن
العائدة إلى العدم ، وهكذا جميع صور المرام ، فالكل منه وإليه من حيث الكمال
" إنتهى " . فلا يخفى ما فيه من ترويج سوق الزنا ومخالفته لبديهة العقل ولما
عليه الشرع وذووه ( 2 ) . واعلم أيدك الله أن جناية المجبرة على الاسلام
كثيرة ، وبليتها على الأمة عظيمة بحملهم المعاصي على الله تعالى ، وقولهم :
شرح
( 1 ) البقرة . الآية 22 .
( 2 ) قد وردت إضافة جمع ذي مع كونه من أسماء الستة إلى الضمير في النظم والنثر
ومنه قول الشاعر : إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه .