فمن جهة أن ما هو قبيح منه يتركه وما يجب عليه يفعله ، فإن ذكره هذا في مقابلة
قول الأشاعرة صريح في أن الأشاعرة قائلون : بأن الله تعالى لا يترك ما هو قبيح
في الشاهد ، بل يفعل الكل ، فإن هذا القدر يكفينا في أصل المقصود ويبقى
الكلام في أنهم يدعون أن ما هو قبيح في الشاهد وبالنسبة إليه ليس بقبيح
بالنسبة إلى الله تعالى ، وهو تحكم كما عرفت غير مرة . وأما قوله : ونحن قد أبطلنا
حكم العقل ، فقد عرفت بطلانه مع منافاته لما صرح به سابقا في محاكمته المردودة
بحكومة العقل في الجملة . وأما قوله : ( خلق القبيح ليس فعله : إذ لا قبيح
بالنسبة إليه ) فقد مر أنه مكابرة ظاهرة ، وسيأتي الكلام فيه فيما بعد إن شاء
الله تعالى .
قال المصنف رفع الله درجته
فلزمهم من ذلك محالات ، منها امتناع الجزم بصدق الأنبياء ، لأن مسيلمة
الكذاب ( 1 ) لا فعل له ، بل القبيح الذي صدر عنه من الله تعالى عندهم ، فجاز أن
يكون جميع الأنبياء كذلك ، وإنما يعلم صدقهم لو علمنا أنه تعالى لا يصدر عنه
القبيح ، فلا نعلم حينئذ نبوة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا نبوة موسى وعيسى وغيرهما
من الأنبياء البتة ، فأي عاقل يرضى أن يقلد من لم يجزم بصدق نبي من الأنبياء
البتة ؟ وأنه لا فرق عنده بين نبوة محد صلى الله عليه وآله وبين نبوة مسيلمة الكذاب ، فليحذر
العاقل من اتباع أهل الأهواء والانقياد إلى طاعتهم ليبلغهم مرادهم ويربح ( 2 ) هو
شرح
( 1 ) هو مسيلمة المتنبي الذي خرج في نجد وادعى النبوة وله أقاصيص مضحكة مع
المرأة المدعية للنبوة مذكورة في كتب المجون والحكايات الظريفة الطريفة .
( 2 ) أي فليحذر العاقل أن يصير سببا لنيل أهل الأهواء بمرادهم ، وهو يصير خاسرا
بالخلود في النيران .