العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها ، كما أن
العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه ،
وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بإرادة ذلك ومحبة
فاعله ، بل من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وآله أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل
لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ( 1 ) ، فلو كان كونه معروفا ومنكرا وطيبا
وخبيثا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به ، لكان بمنزلة أن يقال :
يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه ، ويحل لهم ما يحله ، ويحرم عليهم
ما يحرمه ، وأي فائدة في هذا ؟ وأي علم يبقى فيه لنبوته ؟ وكلام الله تعالى
يصان عن ذلك وأن يظن به مثله ، وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته
أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة بحسنه وكونه معروفا ، وما ينهى عنه تشهد
بقبحه وكونه منكرا ، وما يحله تشهد بكونه طيبا ، وما يحرم تشهد بكونه خبيثا ،
وهذه دعوة الرسل ، وهي بخلاف دعوة المبطلين والكاذبين والسحرة ، فإنهم يدعون
إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وظلم . ولهذا قيل لبعض
الأعراب وقد أسلم ، لما عرف دعوته صلى الله عليه وآله : عن أي شئ أسلمت وما رأيت منه
مما دلك على أنه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : ما أمر بشئ فقال العقل : ليته نهى
عنه ، ولا نهى عن شئ فقال العقل : ليته أمر به ، ولا أحل شيئا فقال العقل ليته
حرمه ، ولا حرم شيئا فقال العقل : ليته أباحه ، فانظر إلى هذا الأعرابي ( 2 ) وصحة
عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوة النبي صلى الله عليه وآله بمطابقة أمره لكل
ما هو حسن في العقل ومطابقة نهيه لما هو قبيح في العقل ، وكذلك مطابقة تحليله
شرح
( 1 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة الأعراف . الآية 157
( 2 ) الأعرابي : من سكن البادية كان من العرب أو غيره ، وقد مر الفرق سابقا بين
الأعرابي والعرب فليراجع .