وقبح الكذب ونظائره ، وأيضا لو كان ذلك كذلك لسقط ذم العقلاء عمن فعل
قبيحا إذا اعتذر بموافقته لغرضه . وبالجملة ما اشتهر من تفصيل معنى الحسن والقبح
على الوجوه الثلاثة واستثناء بعضها عن محل النزاع مما استحدثه متأخر والأشاعرة
وجعلوه مهربا يلجأون إليه حين يضطرهم حجة أهل الحق إليه ، فيقولون : إن
مثل حسن الاحسان وقبح الظلم متحقق بأحد المعاني المذكورة ، لا بالمعنى المتنازع
فيه ، ولم يتفطنوا بما ذكرناه من الاستلزام ، أو أغمضوا عنه ترويجا للمرام على
القاصرين من الأنام هذا . ويدل على هذا الأصل من الأدلة التي لم يتعرض
لها المصنف في هذا المقام ، قوله تعالى :
وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل : إن الله
لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط ، إلى
قوله : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي
بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله
ما لا تعلمون ( 1 ) ، فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمره باجتنابه ،
والفاحشة هيهنا طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء إلا بعض قريش ( 2 ) ،
ثم قال الله تعالى : إن الله لا يأمر بالفحشاء أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقل
والفطرة ، ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي ، وأنه لا معنى لكونه فاحشة
إلا تعلق النهي به ، لصار معنى الكلام : إن الله لا يأمر بما ينهى عنه ، وهذا مما
يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم ، وأي فائدة في
قوله : إن الله لا يأمر بما ينهى عنه ، كما يقتضي تفسيره به عند الأشاعرة ، فعلم
شرح
( 1 ) الأعراف من آية 28 إلى آية 34 .
( 2 ) وهم بنو عبد مناف كما ذكره بعض المؤرخين ، وقال بعض أهل السير : إن بني
مخزوم كانوا كبني عبد مناف في الاجتناب عن الشنايع المذكورة .