الحسن والقبح بضرورة العقل ، كعلمنا بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ،
فإن كل عاقل لا يشك في ذلك ، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم
بافتقار الممكن إلى السبب ، وأن الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية ،
ومنها ما هو معلوم بالاكتساب أنه حسن أو قبيح كحسن الصدق الضار وقبح
الكذب النافع ، ومنها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع
عنه كالعبادات ( 1 ) . وقالت الأشاعرة : إن الحسن والقبح شرعيان ، ولا يقضي العقل بحسن شئ ولا قبح ، بل القاضي بذلك هو الشرع ، فما حسنه فهو حسن ،
وما قبحه فهو قبيح وهو باطل بوجوه " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول : قد سبق أن الحسن والقبح يقال لمعان ثلاثة : الأول صفة الكمال
والنقص يقال : العلم حسن والجهل قبيح ، ولا نزاع في أن هذا أمر ثابت للصفات
في أنفسها ، وأن مدركه العقل ولا تعلق له بالشرع . الثاني ملائمة الغرض
ومنافرته وقد يعبر عنهما بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة ، وذلك أيضا عقلي أي
يدركه العقل كالمعنى الأول . الثالث تعلق المدح والثواب بالفعل عاجلا وآجلا ،
والذم والعقاب كذلك ، فما تعلق به المدح في العاجل والثواب في الأجل يسمى
حسنا ، وما تعلق به الذم في العاجل والعقاب في الأجل والثواب في الأجل يسمى
حسنا ، وما تعلق به الذم في العاجل والعقاب في الأجل يسمى قبيحا ، وهذا
المعنى الثالث محل النزاع ، فهو عند الأشاعرة شرعي ، وذلك لأن أفعال
العباد كلها ليس شئ منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ، ولا ذم فاعله
وعقابه ، وإنما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها ، وعند المعتزلة
شرح
( 1 ) وفي بعض النسخ المخطوطة بعد قوله كالعبادات هذه الجملة ( مثل صوم آخر رمضان
وأول شوال فإن الأول حسن والثاني قبيح ) .