ونحن نقول : نعم وهم يقولون لا ، بل لما أمر به الشارع صار حسنا ، وإثبات
حسن الفعل وقبحه بمعنى النقص والكمال وموافقة الطبع ومنافرته بل بأي معنى
كان مناف لذلك كما لا يخفى . وقد اعترف بذلك صاحب المواقف فيما
نقله عنه الناصب سابقا في مبحث صدق كلامه تعالى من قوله : واعلم أنه لم يظهر
لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي فيه ، فإن النقص في الأفعال هو
القبح العقلي بعينه فيها ، وإنما تختلف العبارة " إنتهى " . وقد أوضحناه هنا لك
ودفعنا ما أورده الناصب عليه فتذكر .
والحاصل أن الكمال والنقص يجريان في الأفعال ، وأن تسليم الحسن والقبح
بهذا المعنى في الأفعال مستلزم للقول : بالحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه ، كما
أشار إليه صاحب المواقف وغيره ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه لا يجوز من الحكيم
الكامل النهي عن الصدق وجعله متعلقا للعقاب ، والأمر بالكذب وجعله متعلقا
للثواب ، فإنكار هذا يكون مناقضا للاعتراف بذلك ، وينقدح منه بطلان ما قالوا :
من أنه أمر به فصار حسنا أو نهى عنه فصار قبيحا ، ويمكن أن ينبه على ذلك بأن من
رأى من أحد بعض الأفعال الحسنة عند العقل وجد من نفسه إقداما بالاحسان إلى
فاعله إما بالمدح وإما بغيره ، بل يجعل الاحسان إليه حقا ثابتا في ذمته ،
وإذا وجد ذلك من نفسه حكم يقينا بأن الجواد المطلق أحق بأن يجعل الاحسان
إليه ، ولا سيما بعد أمره بالافعال المذكورة حقا ثابتا في ذمته ، فيحسن إليه في
الأجل إما باللذات العقلية والبدنية معا ، وإما باللذات العقلية البحتة ( 1 ) وإما
باللذات البدنية الصرفة ، وإما بإعادته إلى شكل أفضل من الأول . وينقدح من
ذلك أن الشرع الصريح والعقل الصحيح في إدراك ما يستقل العقل بإدراكه
متوافقان متطابقان ، فإن العقل الصحيح الخالي عن شوائب الوهم حجة من حجج
شرح
( 1 ) البحت من الشئ خالصه .