مقالة أهل العدل ، وقد ذكرها المصنف عند تقرير مذهب الإمامية سابقا ، وأما أهل
السنة فهم لا ينزهون الأنبياء عن الكبائر مطلقا ، بل بعد النبوة ( 1 ) فقط على
خلاف في ذلك بينهم ، وأما قبل النبوة فقد مر أنهم جوزوا صدور سائر ( 2 ) الكبائر
عليهم حتى الكفر ، وسيجئ ما يزيد ذلك بيانا في مسألة النبوة إن شاء الله تعالى .
وأما ما ذكره بقوله ولكنهم بشر لا يؤمنون وقوع الصغائر عنهم فلا تيأس
أنت من عفو الله تعالى " الخ " ، ففيه أن الله تعالى قد بشر المذنبين بعدم اليأس والقنوط
من رحمته بقوله ولا تقنطوا من رحمة الله ( 3 ) فأي حاجة في ذلك إلى إثبات
الذنب للمعصومين عليهم السلام .
وأما قوله في تقرير مذهب الإمامية : من أنهم يقولون : إن الأنبياء
كالملائكة يستحيل عليهم الذنب ، ففيه أن هذا كذب وافتراء ، وذلك لأن العصمة
عندهم مفسرة بملكة يخلقها الله في المكلف لطفا منه بحيث لا يكون له داع إلى
ترك طاعة وارتكاب معصية مع قدرته على ذلك ، كيف ولو كان الذنب ممتنعا عن المعصوم
لما صح تكليفه بترك الذنب ؟ واللازم باطل اتفاقا ، ويؤيده قوله تعالى : قل إنما
أنا بشر مثلكم يوحى إلي ( 4 ) ، وقوله تعالى : ولا تجعل مع الله إلها آخر ( 5 )
شرح
( 1 ) بل ذهب عدة من أكابرهم إلى جواز صدور الذنب والمعصية من الأنبياء بعد التلبس
بالنبوة ، وذهب بعضهم إلى جواز صدور الكفر منهم أيضا ، وبعضهم إلى جواز صدور
ما ينبئ عن خسة النفس ، وإن شئت أن تكون أبا بجدة هذا الشأن فعليك بالمراجعة إلى ما لفقه الجاحظ في باب النبوة ، وغيره في غيره .
( 2 ) السائر بمعنى الجميع مأخوذ من سور البلد .
( 3 ) الزمر . الآية 53 .
( 4 ) فصلت . الآية 6 .
( 5 ) الاسراء الآية 23 .