قال الزركشي : لكن له الدعوى عليه ، وإلزامه بالسفر إلى محل التسليم ، أو التوكيل ، ولا يحبس . اه . ( قوله : ويصح
السلم حالا ) أي بأن صرح بالحلول . ( وقوله : ومؤجلا ) أي بأن صرح بالتأجيل بالنسبة للمسلم فيه ، أما رأس المال ، فلا
يصح فيه الاجل ، ويجب قبضه حقيقة في المجلس - كما تقدم - أما المؤجل : فبالنص ، وأما الحال : فبالأولى - لبعده عن
الغرر - ( فإن قيل ) الكتابة تصح بالمؤجل ولا تصح بالحال . ( أجيب ) بأن الاجل إنما وجب فيها لعدم قدرة الرقيق على نحو
الكتابة ، والحلول يقتضي وجوبها حالا . ( وقوله : بأجل معلوم ) متعلق بمؤجل ، أي مؤجل بأجل معلوم للعاقدين ، أو
للعدلين ، كإلى شهر رمضان . ( قوله : لا مجهولا ) أي لا مؤجل بأجل مجهول ، فلا يصح . فلو قال أسلمت إليك بهذا إلى
قدوم زيد : لم يصح ، للجهل بوقت الحلول . ( قوله : ومطلقه إلخ ) أي أن مطلق السلم ، أي الذي لم يصرح فيه بحلول أو
أجل . ( وقوله : حال ) أي ينعقد حالا ، كما أنه إذا أطلق البيع ، ينعقد حالا . قال سم : وإن ألحقا به أجلا في المجلس :
لحق ، أو ذكرا أجلا ثم أسقطاه في المجلس : سقط . اه . ( قوله : ومطلق المسلم فيه جيد ) أي أن المسلم فيه إذا لم يقيد
بجودة ولا رداءة : ينصرف للجيد - للعرف ، ولكن ينزل على أقل درجات الجيد لا على أعلاها .
( قوله : وحرم ربا ) ( 1 ) هو بالقصر لغة الزيادة ، قال الله تعالى : * ( اهتزت وربت ) * ( 2 ) أي زادت ونمت . وشرعا : عقد
واقع على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع ، أو واقع مع تأخير في البدلين ، أو أحدهما .
( واعلم ) أن غالب ما ذكره هنا هو عين ما مر في قوله وشرط في بيع ربوي إلخ ، فكان الأولى أن يستوفي الكلام هناك
على ما يتعلق ببيع الربوي ، أو لا يذكر هناك شيئا أصلا ويستغني بما ذكره هنا عما ذكره هناك - كما صنع في المنهج - .
وقد ورد في تحريم الربا شئ كثير من الآيات والأحاديث والآثار ، منها ما تقدم ، ومنها قوله تعالى : * ( الذين يأكلون الربا لا
يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) * قال بعضهم في تفسير هذه الآية : إن آكل الربا أسوأ حالا من
جميع مرتكبي الفواحش ، فإن كل مكتسب له توكل ما في كسبه ، قليلا كان أو كثيرا - كالتاجر والزارع - إذ لم يعينوا
أرزاقهم بعقولهم ، ولم تتعين لهم قبل الاكتساب ، فهم على غير معلوم في الحقيقة ، كما قال ( ص ) : أبى الله أن يرزق
المؤمن إلا من حيث لا يعلم ، وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه ، فهو محجوب عن ربه بنفسه ، وعن رزقه
بتعيينه ، لا توكل له أصلا ، فوكله الحق سبحانه وتعالى إلى نفسه وعقله ، وأخرجه من حفظه ، فاختطفته الجن ، وخبلته ،
فيقوم يوم القيامة كالمصروع الذي مسه الشيطان ، فتخطفه الزبانية ، وتلقيه في النيران - فيجب على كل مؤمن أن يتباعد
مما يغضب الجبار ، ويتوب ويرجع إلى العزيز الغفار ، فعساه يغفر له خطاياه - كما قال تعالى : * ( فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( 3 ) .
والمال الحاصل من الربا : لا بركة له ، لأنه إنما حصل من مخالفة الحق ، فتكون عاقبته وخيمة ، وصاحبه يرتكب
سائر المعاصي - إذ كل طعام يوصل آكله إلى دواع وأفعال من جنسه - فإن كان حراما : يدعوه إلى أفعال محرمة ، وإن كان
مكروها : يؤديه إلى أفعال مكروهة ، وإن كان طيبا : يوصله إلى الطيبات فآكل الربا عليه إثم الربا ، والافعال التي حصلت
بسببه ، فتزداد عقوبته وإثمه أبدا ، ويتلف الله ماله في الدنيا ، فلا ينتفع به أعقابه وأولاده ، فيكون ممن خسر الدنيا
هامش
( 1 ) والأصل في تحريم الربا قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطفه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما
البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ) ( البقرة ، الآية : 275 ) وقوله تعالى : ( ويمحق الله الربا ويربي الصدقات ) ( البقرة 276 ) .
وقول الله عز وجل : ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) ( البقرة : 278 - 279 ) . وما ورد عن النبي ( ص ) أنه قال : " لعن اكل الربا
وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء " رواه البخاري .
( 2 ) سورة الحج ، الآية : 5 ، وفصلت ، الآية : 39 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 275 .