وقد أبدى العلامة الكردي في حاشيته الكبرى حكمة لطيفة لكون ميقات المدينة أبعد المواقيت ، وعبارته : ظهر
للفقير في تقرير حكمة ذلك هو أن يقال : إن الله اختار لنبيه ( ص ) لكونه أفضل الأنبياء أفضل المواقيت ، لبعده عن
مكة ، فتعظم المشقة والاجر على قدر النصب ومنح أهل بلدته الشريفة هذه الفضيلة ببركة جواره ( ص ) ، واقتفائهم
طريقه التي سلكها ( ص ) ، فكل من جاء من المدينة من الآفاق ، وسلك الطريق التي سلكها ( ص ) ، وجب حقه عليه ( ص )
بتطفله على فسيح بابه ، فمنح بالفضل العظيم الذي منه وجوب شفاعته ( ص ) له ، لاستحقاقه إياها بالوعد الصادق منه ( ص ) ،
فصار لعدم تطرق احتمال خلف فيه كأنه واجب حقيقي ، بل أبلغ منه إذ قد يوجد تخلف عن الواجبات من بعض
المكلفين وشفاعته الخاصة المرادة في مثل هذا المقام لا تكون إلا لمن ختم له بالايمان . وهو رأس مال الدنيا والآخرة .
ومنه الاحرام مما أحرم منه ( ص ) لينال فضيلة مشقة مصابرة الاحرام من أبعد المواقيت . وأيضا . ينال فضيلة ابتاعه ( ص )
بالاحرام منه ، فهي تربو على كل فضيلة . ألا ترى إلى قول أئمتنا بتفضيل الحج راكبا على الحج ماشيا مع ما ورد فيه من
الفضل مما لم يرد مثله في حق الراكب ؟
قالوا : لكن في فضيلة الاتباع ما يربو على ذلك ، وبتفضيل صلاة الظهر بمنى يوم النحر عليها في المسجد الحرام ،
فكيف بما حوى فضيلتي الاتباع وعظم المشقة ؟ اه .
( قوله : ومن الشام إلخ ) معطوف على من المدينة ، أي وهو للمتوجه من الشام ومصر والمغرب . ( قوله : الجحفة )
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة ، وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة ، وهي أوسط المواقيت سميت بذلك لان السيل
أجحفها أي أزالها فهي الآن خراب ، ولذلك بدلوها الآن برابغ ، وهي قبل الجحفة بيسير ، فالاحرام من رابغ مفضول
لتقدمه على الميقات إلا إن جهلت الجحفة ، أو تعسر بها فعل السنن للاحرام من غسل ونحوه ، أو خشي من قصدها
على ماله ، فلا يكون مفضولا . ( قوله : ومن تهامه اليمن ) معطوف على من المدينة أيضا ، أي وهو للمتوجه من تهامه
اليمن ، وهي اسم للأرض المنخفضة ، ويقابلها نجد ، فإن معناه الأرض المرتفعة ، واليمن الذي هو إقليم معروف ،
مشتمل على نجد وتهامة ، وفي الحجاز مثلهما . ( وقوله : يلملم ) بفتح التحتية أوله ، أو يقال له ألملم بهمزة أوله . ويقال
له أيضا يرمرم براءين مهملتين . وهو جبل من جبال تهامة ، بينه وبين مكة مرحلتان طويلتان . ( قوله : ومن نجد واليمن
والحجاز ) معطوف أيضا على من المدينة ، أي وهو للمتوجه من نجد واليمن والحجاز ، أي من الأرض المرتفعة منهما
كما تقدم . وقوله : قرن بفتح القاف وسكون الراء ، هو جبل على مرحلتين من مكة ، ويقال له قرن المنازل ، وقرن
الثعالب . وأما قرن بفتح الراء فهو اسم قبيلة ينسب إليها أويس القرني رضي الله عنه . ( قوله : ومن المشرق ) معطوف
على من المدينة أيضا ، أي وهو للمتوجه من المشرق ، وهو إقليم تشرق الشمس من جهته ، شامل للعراق وغيره . ( وقوله :
ذات عرق ) هي قرية خربة في طريق من طرق الطائف ، أرضها سبخة تنبت الطرفاء ، بينها وبين مكة مرحلتان . وعرق
بكسر العين المهملة ، وسكون الراء جبل صغير مشرف على وادي العقيق .
( تنبيه ) قد نظم بعضهم المواقيت مع بيان مسافتها ، فقال :
قرن يلملم ذات عرق كلها * في البعد مرحلتان من أم القرى
ولذي الحليفة بالمراحل * عشرة وبها لجحفة ستة فأخبر ترى
والأصل فيها خبر الصحيحين : أنه ( ص ) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام ومصر الجحفة ، ولأهل
نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم . وقال : هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ،
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة .
( قوله : وميقات العمرة لمن بالحرم الحل ) أي فيلزمه الخروج إليه ، ولو بأقل من خطوة ، ليحصل له فيها الجمع بين
إعانة الطالبين — صفحة 342
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣٤٢