وفي بهجة الأنوار : إن الحجر الأسود كان في الابتداء ملكا صالحا ، ولما خلق الله آدم وأباح له الجنة كلها إلا
الشجرة التي نهاه عنها ، ثم جعل ذلك الملك موكلا على آدم أن لا يأكل من تلك الشجرة ، فلما قدر الله تعالى أن آدم يأكل
من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك ، فنظر تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرا ألا ترى أنه جاء في الأحاديث :
الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله يد ، ولسان ، وأذن ، وعين ، لأنه كان في الابتداء ، ملكا ؟
( تنبيه ) خمسة أشياء خرجت من الجنة مع آدم عود البخور ، وعصا موسى من شجر الآس وأوراق التين التي
كان يستتر بها آدم والحجر الأسود ، وخاتم سليمان . ونظمها بعضهم في قوله :
وآدم معه أهبط العود والعصا * لموسى من الآس النبات المكرم
وأوراق تين واليمين بمكة * وختم سليمان النبي المعظم
وزاد بعضهم : الحجر الذي ربطه نبينا على بطنه ، ومقام إبراهيم ، وهو الحجر الذي كان يقف عليه لبناء البيت
فيرتفع به حتى يضع الحجر ، ويهبط حتى يتناوله من إسماعيل ، وفيه أثر قدميه .
( قوله : محاذيا ) حال من الضمير في بدؤه ، العائد على الطائف . ( وقوله : له ) أي للحجر الأسود ، كله أو بعضه ،
فلا يشترط محاذاة كله . ( وقوله : في مروره ) أي في حال مروره . ( قوله : ببدنه ) متعلق بمحاذيا . ( قوله : أي بجميع شقه
الأيسر ) تفسير مراد للبدن أي أن المراد بالبدن جميع الشق الأيسر ، فهو على سبيل المجاز المرسل ، والعلاقة الكلية
والجزئية ، والمراد أيضا بجميع الشق الأيسر مجموعه ، وهو أعلاه المحاذي لصدره ، وهو المنكب . وذلك لان المحاذاة
لا تكون إلا به كما هو ظاهر وعبارة التحفة : تنبيه يظهر أن المراد بالشق الأيسر أعلاه المحاذي للصدر ، وهو
المنكب ، فلو انحرف عنه بهذا ، أو حاذاه ما تحته من الشق الأيسر ، لم يكف . اه . ثم إن ما ذكر من اشتراط المحاذاة
مفروض في الابتداء ، أما الانتهاء فيجب أن يكون الذي حاذاه في آخر الطواف هو الذي حاذاه في أوله ، ومقدما إلى جهة
الباب ، ليحصل استيعاب البيت بالطواف . وزيادة ذلك الجزء احتياط فلو حاذى أولا طرفه مما يلي الباب ، اشترط أن
يحاذيه آخرا . وهذه دقيقة يغفل عنها . ( قوله : وصفة المحاذاة ) أي الكيفية التي تحصل بها المحاذاة ، وهذه الكيفية ليست
بواجبة ، بل هي الفاضلة ، وذلك لأنه لو ترك الاستقبال المذكور وحاذى الطرف مما يلي الباب بشقه الأيسر أجزأه ، وفاتته
الفضيلة . ( قوله : أن يقف ) أي مستقبلا للبيت . وقوله : بجانبه أي الحجر الأسود . وقوله : من جهة اليماني متعلق
بيقف . أي يقف من جهة الركن اليماني . وقوله : بحيث إلخ الباء لتصوير الوقوف بجانبه ، أي يقف وقوفا مصورا بحالة
هي أن يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه ، أي ويصير منكبه الأيمن عند طرفه . ( قوله : ثم ينوي ) أي ثم بعد وقوفه
المذكور ينوي الطواف . ( قوله : ثم يمشي مستقبله ) أي ثم بعد النية يمشي إلى جهة يمينه مستقبلا للحجر . وقوله : حتى
يجاوز أي يمشي مستقبلا إلى أن يجاوز الحجر . والمراد إلى أن يبدأ في المجاوزة بحيث يحاذي منكبه طرف الحجر ،
وليس المراد إلى تمام المجاوزة ، بدليل قوله فحينئذ إلخ كما ستعرفه . وعبارة غيره : إلى أن يحاذي منكبه طرف
الحجر ، فينحرف حينئذ ، ويجعل جميع يساره لطرف الحجر . اه . وهي ظاهرة . وهذا على ما جرى عليه شيخه ابن
حجر . أما على ما جرى عليه م ر : فالمراد إلى تمام المجاوزة ، لان الانفتال عنده يكون بعدها ، لا في حال المجاوزة .
( قوله : فحينئذ ينفتل ) أي حين المجاوزة ينفتل ، لا بعدها على ما جرى عليه ابن حجر أما على ما جرى عليه الرملي :
فالانتقال يكون بعدها كما علمت ولا بد من استحضار النية عند هذا الانفتال ، لأنه أول الطواف ، وما قبله مقدمة له .
( قوله : ويجعل يساره للبيت ) معطوف على ينفتل ، أي حينئذ يجعل يساره ، ويصح جعل الواو للحال ، أي ينفتل حال
كونه جاعلا يساره . ويدل على هذا عبارة التحفة ونصها : فينفتل جاعلا يساره محاذيا جزءا من الحجر بشقه الأيسر . اه .
إعانة الطالبين — صفحة 335
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣٣٥