بمكان ، حتى يتأدب بتلك الآداب ، وكل من قصر فيها ، ولم يتحقق بها لم تكمل تلاوته ، ولكنه لا يخلو في تلاوته من
ثواب ، وله فضل على قدره - فمن أهم الآداب وآكدها : أن يكون التالي في تلاوته مخلصا لله تعالى ، ومريدا بها وجهه
الكريم ، والتقرب إليه ، والفوز بثوابه . وأن لا يكون مرائيا ، ولا متصنعا ، ولا متزينا للمخلوقين ، ولا طالبا بتلاوته شيئا من
الحظوظ العاجلة ، والاغراض الفانية الزائلة . وأن يكون ممتلئ السر والقلب بعظمة المتكلم عز وعلا ، خاضعا لجلاله ،
خاشع القلب والجوارح ، حتى كأنه من تعظيمه وخشوعه واقفا بين يدي الله تعالى يتلو عليه كتابه الذي أمره فيه ونهاه .
وحق لمن عرف القرآن وعرف المتكلم به أن يكون كذلك ، وعلى أتم من ذلك . كيف وقد قال الله تعالى : * ( لو أنزلنا هذا
القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) * ( 1 ) ؟ فإذا كان هكذا
يكون حال الجبل - مع جموده وصلابته - لو أنزل عليه القرآن ، فكيف يكون حال الانسان الضعيف المخلوق من ماء
وطين ؟ لولا غفلة القلوب وقسوتها ، وقلة معرفتها بعظمة الله وعزته وجلاله . اه .
( قوله : في غير نحو الحش ) متعلق بإكثار . أي سن إكثار في غير نحو الحش . أما نحو الحش فلا يسن إكثارها فيه ،
ومفهومه أن أصل التلاوة تسن فيه ، وليس بمراد ، لما نصوا عليه من كراهة الذكر والقراءة في محل قضاء الحاجة من بول أو
غائط ، بل اختار بعضهم التحريم ، لكن حال قضاء الحاجة .
والحش - بضم الحاء ، وفتحها - محل قضاء الحاجة ، ويسمى بيت الخلاء . واختلف أهل اللغة في إطلاق الحش
على ما ذكر ، فقال بعضهم إنه حقيقة ، وقال بعضهم إنه مجاز - كما في المصباح - وعبارته : الحش : البستان . والفتح أكثر
من الضم . وقال أبو حاتم : يقال لبستان النخل : حش . فقولهم بيت الحش : مجاز ، لان العرب كانوا يقضون حوائجهم
في البساتين ، فلما اتخذوا الكنف وجعلوها خلفا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم . وقال في مختصر العين : المحشة :
الدبر . والمحش : المخرج - أي مخرج الغائط - فيكون حقيقة . اه . بحذف . وانظر : ما نحو الحش ؟ ولعله المكان
المتيقن نجاسته - كالمزبلة والمجزرة .
( قوله : ولو نحو طريق ) غاية لغير نحو الحش : أي ولو كان ذلك الغير نحو
طريق ، وعبارة فتح الجواد : ولو نحو طريق أو حمام توفر فيه التدبر . اه . ( قوله : وأفضل الأوقات إلخ ) قال الامام النووي - رحمه الله تعالى - في الأذكار
( اعلم ) أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة . ومذهب الإمام الشافعي وآخرين - رحمهم الله تعالى - أن تطويل القيام في
الصلاة بالقراءة أفضل من تطويل السجود وغيره . وأما القراءة في غير الصلاة ، فأفضلها قراءة الليل ، والنصف الأخير منه
أفضل من الأول ، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة . وأما قراءة النهار : فأفضلها ما بعد صلاة الصبح ، ولا كراهة في
القراءة في وقت من الأوقات ، ولا في أوقات النهي عن الصلاة . وأما ما حكاه ابن أبي داود - رحمه الله تعالى - عن معاذ بن
رفاعة - رحمه الله تعالى - عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر ، وقالوا إنها دراسة يهود : فغير مقبول ، ولا أصل له .
ويختار من الأيام : الجمعة ، والاثنين ، والخميس ، ويوم عرفة . ومن الأعشار : العشر الأول من ذي الحجة ، والعشر
الأخير من شهر رمضان . ومن الشهور : رمضان . اه . ( قوله : وقراءة الليل أولى ) أي من قراءة النهار ، لان الخشوع
والتدبر في قراءة الليل لا يحصلان في قراءة النهار . ( قوله : وينبغي أن يكون شأن القارئ التدبر ) أي لما يقرؤه والتفهم
له ، حاضر القلب معه . قال تعالى : * ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) * ( 2 ) ، وقال تعالى - في
معرض الانكار والتوبيخ - * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ ) * ( 3 ) وقال علي كرم الله وجهه : لا خير في
قراءة لا تدبر فيها . وصدق رضي الله عنه ، لان القرآن إنما أنزل ليتدبر . وبالتدبر يفهم المراد منه ، ويتوصل إلى العلم به ،
والعمل بما فيه ، وهذا هو المقصود بإنزاله وبعثة الرسول ( ص ) به .
هامش
( 1 ) الحشر : 21 .
( 2 ) ص : 29 .
( 3 ) محمد : 24