بالعود الأخضر ، وهو باق لا يفنى عند أهل السنة . وقوله تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) * تقديره حين موت
أجسادها . وعند جمع منهم : عرض ، وهو الحياة التي صار البدن بوجودها حيا . وأما الصوفية والفلاسفة فليست عندهم
جسما ولا عرضا ، بل هو جوهر مجرد غير متحيز ، يتعلق بالبدن تعلق التدبير ، وليس داخلا فيه ولا خارجا عنه .
( واعلم ) أن الأرواح على خمسة أقسام : أرواح الأنبياء ، وأرواح الشهداء ، وأرواح المطيعين ، وأرواح العصاة من
المؤمنين ، وأرواح الكفار .
فأما أرواح الأنبياء : فتخرج عن أجسادها ، وتصير على صورتها مثل المسك والكافور ، وتكون في الجنة ، تأكل ،
وتتنعم ، وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش .
وأرواح الشهداء : إذا خرجت من أجسادها فإن الله يجعلها في أجواف طيور خضر تدور بها في أنهار الجنة ، وتأكل
من ثمارها ، وتشرب من مائها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، هكذا قال رسول الله ( ص ) .
وأما أرواح المطيعين من المؤمنين : فهي في رياض الجنة ، لا تأكل ولا تتنعم ، لكن تنظر في الجنة فقط .
وأما أرواح العصاة من المؤمنين : فبين السماء والأرض في الهواء .
وأما أرواح الكفار : فهي في أجواف طيور سود في سجين ، وسجين تحت الأرض السابعة ، وهي متصلة
بأجسادها ، فتعذب أرواحها ، فيتألم بذلك الجسد . كالشمس : في السماء الرابعة ، ونورها في الأرض ، كما أن أرواح
المؤمنين في عليين ، متنعمة ونورها متصل بالجثة .
( قوله : وشرعت بالمدينة ) عبارة التحفة : تنبيه . هل شرعت صلاة الجنازة بمكة أو لم تشرع إلا بالمدينة ؟ لم أر في
ذلك تصريحا . وظاهر حديث أنه ( ص ) صلى على قبر البراء بن معرور لما قدم المدينة وكان مات قبل قدومه لها بشهر ، كما قاله
ابن إسحاق وغيره . وما في الإصابة عن الواقدي وأقره أن الصلاة لم تكن شرعت يوم موت خديجة - رضي الله عنها -
وموتها بعد النبوة بعشر سنين على الأصح - أنها لم تشرع بمكة ، بل بالمدينة . اه . ( وقوله : وما في الإصابة ) معطوف
على لفظ حديث . وقوله : أنها لم تشرع : خبر المبتدأ الذي هو لفظ : ظاهر . ( قوله : وقيل هي من خصائص هذه الأمة )
نظر فيه في التحفة ونصها : وفيه ما بينته في شرح العباب ، ومن جملته الحديث الذي رواه جماعة من طرق تفيد حسنه ،
وصححه الحاكم : أنه ( ص ) قال : كان آدم رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق ، فلما حضره الموت نزلت الملائكة
بحنوطه وكفنه من الجنة ، فلما مات عليه السلام غسلوه بالماء والسدر ثلاثا ، وجعلوا في الثالثة كافورا وكفنوه في وتر من
الثياب ، وحفروا له لحدا ، وصلوا عليه ، وقالوا لولده : هذه سنة ولد آدم من بعده . وفي رواية ، أنهم قالوا : يا بني آدم ،
هذه سنتكم من بعده ، فكذاكم فافعلوا . وبهذا يتبين أن الغسل ، والتكفين ، والصلاة ، والدفن ، والسدر ، والحنوط ،
والكافور ، والوتر ، واللحد ، من الشرائع القديمة ، وأنه لا خصوصية لشرعنا بشئ من ذلك . فإن صح ما يدل على
الخصوصية تعين حمله على أنه بالنسبة لنحو التكبير والكيفية . اه . ( قوله : صلاة الميت ) أي الصلاة على الميت .
( قوله : أي الميت المسلم ) خرج به الكافر ، فتحرم الصلاة عليه مطلقا . وأما غسله فيجوز مطلقا . وأما تكفينه ودفنه
فيجبان إن كان ذميا ، أو مؤمنا ، أو معاهدا ، بخلاف الحربي ، والمرتد . ( قوله : غير الشهيد ) أي وغير السقط في بعض
أحواله . أما الشهيد : فتحرم الصلاة عليه ، كغسله . وأما تكفينه ودفنه فيجبان . وأما السقط فله أحوال : فتارة تعلم حياته
فيجب فيه الأربعة : الغسل ، والتكفين ، والصلاة عليه ، والدفن . وتارة يظهر خلقه : فيجب فيه ما عدا الصلاة . وتارة
إعانة الطالبين — صفحة 123
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١٢٣