( وقوله ) :
والعمر عن تحصيل كل علم * يقصر فابدأ منه بالأهم
وذلك الفقه فإن منه * ما لا غنى في كل حال عنه
واعلم أن الآيات والأحاديث الدالة على فضل العلم مطلقا كثيرة شهيرة ، فمن الآيات قوله تعالى : * ( قل هل
يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * ومن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام : من سلك طريقا يبتغي فيها علما
سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في
السماوات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن
العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر وقوله ( ص ) : فضل
العالم على العابد كفضلي على أدناكم وإن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في
الماء ، ليصلون على معلمي الناس الخير . قال معاذ رضي الله عنه : تعلموا العلم . فإن تعليمه حسنة ، وطلبه عبادة ،
ومذكراته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وبذله صدقة . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : الناس رجلان ، عالم ومتعلم ، ولا
خير فيما سوى ذلك . ويقال : من ذهب إلى عالم وجلس عنده ولم يقدر على حفظ شئ مما قاله أعطاه الله سبع كرامات ، أولها :
ينال فضل المتعلمين . وثانيها : ما دام عنده جالسا كان محبوسا عن الذنوب والخطايا . وثالثها : إذا خرج من منزله نزلت عليه
الرحمة . ورابعها : إذا جلس عنده نزلت الرحمة على العالم فتصيبه ببركته . وخامسها : تكتب له الحسنات ما دام مستمعا .
وسادسها : تحفهم الملائكة بأجنحتهم وهو فيهم . وسابعها : كل قدم يرفعها ويضعها تكون كفارة للذنوب ورفعا للدرجات
وزيادة في الحسنات . هذا لمن لم يحفظ شيئا ، وأما الذي يحفظ فله أضعاف ذلك مضاعفة . وعن عمر رضي الله عنه أنه قال :
إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة ، فإذا سمع العلم خاف الله واسترجع من ذنوبه ، فينصرف
إلى منزله وليس عليه ذنب ، فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق على وجه الأرض أكرم من مجلسهم . قال بعضهم : ولو
لم يكن لحضور مجلس العلم منفعة سوى النظر إلى وجه العالم لكان الواجب على العاقل أن يرغب فيه ، فكيف وقد أقام
النبي ( ص ) العلماء مقام نفسه فقال : من زار عالما فكأنما زارني ، ومن صافح عالما فكأنما صافحني ، ومن جالس عالما فكأنما
جالسني ، ومن جالسني في الدنيا أجلسه الله تعالى معي يوم القيامة في الجنة . وما ورد في فضل العلم والعلماء أكثر من أن
يحصى ، وفي هذا القدر كفاية ، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من العلماء العاملين ، وأن يمنحنا كمال المتابعة والمحبة لسيدنا محمد
سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . ( قوله : على مذهب الامام ) صفة للفقه ، أي في الفقه
الكائن على مذهب الإمام الشافعي . والمذهب في اللغة اسم لمكان الذهاب ، ثم استعمل فيما ذهب إليه الامام من الاحكام
مجازا على طريق الاستعارة التصريحية التبعية ، وتقريرها أن تقول شبه اختيار الاحكام بمعنى الذهاب ، واستعير الذهاب
لاختيار الاحكام ، واشتق منه مذهب بمعنى أحكام مختارة ، ثم صار حقيقة عرفية . ( قوله : ابن عبد مناف ) فيجتمع الإمام
الشافعي مع النبي ( ص ) في عبد مناف ، لأنه ( ص ) سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، وهاشم
الذي في نسبه ( ص ) عم لهاشم الذي في نسب الامام . ( قوله : وولد إمامنا رضي الله عنه ) أي بغزة التي توفي فيها هاشم جد
النبي ( ص ) ، وقيل بعسقلان ، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، والموطأ وهو ابن
إعانة الطالبين — صفحة 23
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٢٣