السابق مخصوص بسنة الطواف ، وهي مما سببها متقدم ، لأنا نقول : جاء في رواية صحيحة : لا تمنعوا أحدا صلى من غير ذكر
الطواف فلتحمل الصلاة في الرواية الأولى على مطلق صلاة سنة طواف وغيرها .
( قوله : وخامسها ) أي شروط الصلاة . ( قوله : استقبال عين القبلة ) أي لقوله تعالى : * ( فول وجهك شطر المسجد
الحرام ) * . والاستقبال لا يجب في غير الصلاة ، فتعين أن يكون فيها . وقد ورد أنه ( ص ) قال للمسئ صلاته - وهو خلاد بن
رافع الزرقي الأنصاري - : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة . رواه الشيخان . ورويا أنه ( ص ) ركع
ركعتين قبل الكعبة - أي وجهها - وقال : هذه القبلة . مع خبر : صلوا كما رأيتموني أصلي . فلا تصح الصلاة بدونه
إجماعا ، ويجب الاستقبال يقينا في القرب وظنا في البعد . ومن أمكنه علمها ولا حائل بينه وبينها لم يعمل بقول غيره ، ومن
ذلك قدرة الأعمى على مس حيطة المحراب حيث سهل عليه ، فلا يكفي العمل بقول غيره ولا باجتهاده ، فإن لم يمكنه اعتمد
ثقة يخبر عن علم ، كقوله : أنا شاهدت الكعبة هكذا . وليس له أن يجتهد مع وجود إخباره . وفي معناه رؤية بيت الإبرة
المعروف ، ومحاريب المسلمين ببلد كبير أو صغير فلا يجوز الاجتهاد فيها جهة بل يجوز يمنة أو يسرة . ولا يجوز فيما ثبت أنه ( ص )
صلى إليه ، فإن فقد ما ذكر اجتهد لكل فرض إن لم يذكر الدليل الأول . ومن علامتها القطب المعروف ، ويختلف باختلاف
الأقاليم . ففي مصر يجعله المصلي خلف أذنه اليسرى ، وفي العراق يجعله خلف أذنه اليمنى ، وفي اليمن قبالته مما يلي جانبه
الأيسر ، وفي الشام وراءه . ومن علاماتها أيضا الشمس والقمر والريح . ويجب تعلمها حيث لم يكن هناك عارف سفرا
وحضرا . فإن عجز عن الاجتهاد كأعمى البصر أو البصيرة قلد مجتهدا . فتلخص أن مراتب القبلة أربعة : العلم بالنفس ،
وإخبار الثقة عن علم ، والاجتهاد ، وتقليد المجتهد . ( قوله : أي الكعبة ) عبارة المغنى : والقبلة في اللغة : الجهة . والمراد هنا :
الكعبة . ولو عبر لها لكان أولى ، لأنها القبلة المأمور بها . ولكن القبلة صارت في الشرع حقيقة الكعبة لا يفهم منها غيرها .
وسميت قبلة لان المصلي يقابلها ، وكعبة لارتفاعها . وقيل : لاستدارتها . اه . وليس من الكعبة الحجر والشاذروان ، لان
ثبوتهما منها ظني ، وهو لا يكتفى به في القبلة . وفي الخادم : ليس المراد بالعين الجدار ، بل أمر اصطلاحي . أي وهو سمت
البيت وهواؤه إلى السماء والأرض السابعة ، والمعتبر مسامتتها عرفا لا حقيقة . اه تحفة . ( قوله : بالصدر ) متعلق باستقبال ،
أي يشترط الاستقبال بالصدر . وهو حقيقة في الواقف والجالس ، وحكما في الراكع والساجد . قال في التحفة : والمراد
بالصدر : جميع عرض البدن . فلو استقبل طرفها فخرج شئ من العرض عن محاذاته لم تصح ، بخلاف استقبال الركن ، لأنه
مستقبل بجميع العرض لمجموع الجهتين ، ومن ثم لو كان إماما امتنع التقدم عليه في كل منهما . اه . ويجب استقبالها بالصدر
والوجه لمن كان مضطجعا ، وبالوجه والاخمصين لمن كان مستلقيا . ( قوله : فلا يكفي استقبال جهتها ) أي للخبر الصحيح :
أنه ( ص ) صلى ركعتين في وجهها وقال : هذه القبلة . وأما خبر : ما بين المشرق والمغرب قبلة فمحمول على أهل المدينة ومن
داناهم . ( قوله : إلا في حق العاجز عنه ، إلخ ) استثناء من اشتراط الاستقبال ، والعجز عنه يكون بمرض أو ربط على خشبة ،
فيصلي المريض أو المربوط ويعيد لندرة عذره . فلو أمكنه أن يصلي إلى القبلة قاعدا وإلى غيرها قائما وجب الأول ، لان فرض
القبلة آكد من فرض القيام ، بدليل سقوطه في النفل مع القدرة من غير عذر . ( قوله : وفي صلاة شدة خوف ) أي في قتال
مباح ، كقتال المسلمين للكفار ، وقتال أهل العدل للبغاة ، وما ألحق به ، كهرب من حريق وسيل وسبع وحية . قال في النهاية :
ومن الخوف المجوز لترك الاستقبال أن يكون شخص في أرض مغصوبة ويخاف فوت الوقت ، فله أن يحرم ويتوجه للخروج
ويصلي بالايماء . اه . ( قوله : فيصلي ) أي من اشتد عليه الخوف . وقوله : كيف أمكنه أي على أي حال أمكنه الصلاة
إعانة الطالبين — صفحة 145
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١٤٥