فصل
قلت : وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه :
أحدها : أنهم سموا الأخبار أخبار صفات ، وإنما هي إضافات ،
وليس كل مضاف صفة ، فإنه قال سبحانه وتعالى : ( ونفخت فيه من
روحي " الحجر : 29 .
وليس لله صفة تسمى روحا ، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة .
الثاني : أنهم قالوا : إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه
إلا الله تعالى . ثم قالوا : نحملها على ظواهرها ، فواعجبا ! ! ما لا يعلمه
إلا الله أي ظاهر له . . ؟ ! فهل ظاهر الاستواء إلا القعود ، وظاهر النزول
إلا الانتقال . .
الثالث : أنهم أثبتوا لله تعالى صفات ، وصفات الحق لا تثبت إلا
بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية .
وقال ابن حامد ( المجسم ) : من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل
يكفر ؟ على وجهين ، وقال : غالب أصحابنا على تكفير من خالف
الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار
آحاد لأنها عندنا توجب العلم ( 19 ) .
قلت : هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل .
هامش
( 19 ) خبر الآحاد - الواحد - لا يوجب العلم إنما يوجب العمل ولا يفيد إلا الظن
رغم محاولة بعض المجسمة وأتباعهم قلب الحقائق ، والمقرر في الكتاب
والسنة والذي عليه عمل الصحابة وأئمة السلف والمحدثين أن خبر الآحاد يفيد
الظن ولا يفيد العلم ، وأنه لا تثبت به أصول العقائد ولنذكر بعض أدلة ذلك :
ثبت في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين للناس : ( أصدق
ذو اليدين ا ؟ !
وهو خبر واحد وهو ثقة صحابي ولم يفد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الظن ،
فلما تأكد من الناس من خبره تيقن أنه صلى ركعتين فأتم ركعتين . . وهذا شئ
مشهور وأما الصحابة : فقال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ ( 1 / 2 ) :
" وكان - أبو بكر - أول من احتاط في قبول الأخبار ، فروى ابن شهاب عن قبيصة
بن ذويب أن : الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث ، فقال : ما أجد
لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا ، ثم سأل
الناس ، فقام المغيرة ، فقال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس ، فقال
له : هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي
الله عنه " رواه أحمد ( 4 / 225 ) وابن الجارود ( 959 ) والحاكم ( 4 / 338 )
وصححه وأقره الذهبي وهو ثابت .
وكذا ثبت في البخاري ( فتح 11 / 27 ) ومسلم وعند غيرهم أن سيدنا عمر رضي
الله عنه طلب من أبي موسى أن يأتيه ببينة على حديث " إذا سلم أحدكم ثلاثا
فلم يجب فليرجع " وصح في المسند ( 1 / 10 ) وغيره أن سيدنا علي كان
يستحلف من حدثه ، وكل ذلك وغيره كثير مما بسطته في " عقد الزبرجد النضيد
في شرح جوهرة التوحيد " يثبت أن خبر الواحد كان لا يفيد العلم عند الصحابة
وإنما يفيد الظن .
وكذلك أئمة المحدثين من السلف والخلف كالبخاري ( الفتح 13 / 231 )
والشافعي التمهيد ( 1 / 7 ) والخطيب البغدادي ( الكفاية ص 432 ) وابن عبد البر
التمهيد ( 1 / 7 ) والبيهقي ( الأسماء والصفات ص 357 ) والحافظ ابن حجر
الفتح ( 13 / 231 ) والنووي والذهبي ( تذكرة الحفاظ 1 / 2 ) .