يوجبون الأخذ بالرواية ، فإنه على إطلاقه ممنوع ؛ لما عرفت من التفصيل ؛ إذ أخذ عامة الناس بالرواية في زمن الغيبة أمر ظاهر البطلان وغني عن البيان .
وكيف لا ، والروايات على ما هي عليه من الإطلاق والتقييد والإجمال والاشتباه متصادمة في جملة الأحكام ، واستنباط الحكم الشرعي منها يحتاج إلى مزيد قوة وملكة راسخة ( 1 ) قدسية ، كما ذكرناه في الموضع المشار إليه آنفا ؟
فأنّى للعامي باستعلام ذلك ؟ فلابد البتة من الرجوع إلى عالم له تلك الملكة المذكورة .
نعم ، بقي الكلام في أمر آخر وهو أن ذلك الفقيه إن استند في استنباطه الأحكام إلى ( الكتاب ) والسنّة فهذا ممّا وقع الاتفاق على الرجوع إليه ، وإن كان إنّما استند إلى أدلة أخرى من إجماع أو دليل عقل أو نحوهما ، فهذا هو ( 2 ) الذي منعه الأخباريون وشنّعوا به على المجتهدين .
وحينئذ فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول ، وليس في عدّه وجها على حدة إلَّا مجرّد [ التهويل ] ( 3 ) بتكثير الأعداد وإضاعة المداد .
على أنك قد عرفت في جواب الوجه الأوّل الخلاف بين المجتهدين في الأدلة الزائدة ( 4 ) على ( الكتاب ) والسنّة ، وأنّ ذلك لا يصلح لأن يكون وجها فارقا بين الفرقتين ، بل هو من سائر المسائل الخلافية الجارية في البين .
ورابعها : أنّ المجتهدين يجوّزون أخذ الأحكام الشرعية بالظنّ ، والأخباريّين يمنعونه ولا يقولون إلَّا بالعلم ؛ والعلم عندهم : قطعيّ وهو ما وافق نفس الأمر ، وعاديّ وأصلي وهو ما وصل عن المعصوم ثابتا ، ولم يجوّزوا فيه الخطأ عادة ،
هامش
( 1 ) من " ح " .
( 2 ) من " ح " .
( 3 ) في النسختين : التهوير .
( 4 ) في " ح " : أدلة الزائد ، بدل : الأدلة الزائدة .