يفيده غيره لكان كالشجرة الخالية من الثمر ، ولو كان إنما هو لإفادة الغير خاصة لكان كالسراج الذي يحرق نفسه ويضيء لغيره ، فإنه يسهر الليل ، ويتعب في الطلب . ويتحمل المشقّة والنصب لأجل الناس .
وبالجملة ، ففضل العلم وفضيلة العالم إنّما يتحقّق مع إضافة العمل وضمه إليه لا بدونه ، وحينئذ فالعالم الحقيقي ومصداق هذا العنوان التحقيقي إنما هو من اتّصف بتلك العلوم الجليلة التي أشرنا إليها مع ما يحتاج إليه لنفسه ، أو لنفسه وغيره من هذه العلوم الرسميّة المشهورة ، دون من اختصّ بهذه كما توهّمه من لا تأمّل له ولا تحقيق ، ولم ينظر في الأدلَّة القطعية « 1 » بالنظر الدّقيق .
وكفاك شاهدا على صحّة ما ذكرنا قوله سبحانه * ( إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ ) * « 2 » ، فمناط الخشية العلم ، ولا يخفى أن الخشية لا ترتّب لها على هذه العلوم ، لمجامعتها للفسق كما هو معلوم من علماء السوء وفسّاق العلماء ، وإنما ترتب على تلك العلوم [ 1 ] ، كما تقدم بيانه في الخبر المتقدّم .
هامش
« 1 » في « ح » : العقلية .
« 2 » فاطر : 28 .
« 3 » أقول : وممّا يدخل في هذا المقام ، وينتظم في سلك هذا النظام ما ذكره المحقق رحمه اللَّه في أوّل ( المعتبر ) حيث قال - ونعم ما قال - : ( إن في الناس المستعبد نفسه لشهوته ، المستغرق وقته في أهويته مع إيثاره الاشتهار بآثار الأبرار ، واختياره الاتّسام بسير الأخيار ؛ إما لأن ذلك في جبلَّته ، أو لأنه وسيلة إلى حطام عاجلته . فيثمر هذان الخلقان نفاقا غريزيا وحرصا على الرياسة الدينية طبيعيا ، فإذا ظهرت لغيره فضيلة عليه خشي غلبة المزاحم ، ومنافسة المقاوم ، ثم يمنعه نفاقه من المكافحة ، فيرسل القدح في ذي المناصحة ، ويقول : لو قال كذا لكان أقوم ، لو لم يقل كذا لكان أسلم ، موهما أنه أوضح كلاما وأرجح مقاما . فإذا ظفرت بمثله ، فليشغلك الاستعاذة باللَّه من بليته عن الاشتغال بإجابته ، فإنه شر الرجال ، وأضر على الأمة من الدجّال ) [ = المعتبر 1 : 21 . ] إلى آخر كلامه قدّس سرّه منه ( هامش « ح » ) .