لدقة نظره وحدة فكره الذي لم يكن يقدم عليه فيهما غيره بل قال أنه إذا فكر في محل خال لا يلحقه لا القطب ولا التفتازاني ولا غيرهما ، ولما سافر مغضبا برز والأبناسي والونائي إلى دمياط حتى رجعوا به . وجود القرآن على بعض القراء وسمع اتفاقا على العز بن جماعة تساعيات جده الأربعين والجمال عبد الله الحنبلي ختم السيرة لابن هشام وغيره والشهاب الواسطي جزء البطاقة وغيره والولي العراقي الكثير ولازمه وأخذ عنه في شرح الألفية لوالده ووصفه بالشيخ الفاضل وكذا أخذ فيه عن شيخنا وسمع عليه كثيرا من كتب الحديث في رمضان وغيره بل ذكر أنه سمع البخاري على البلقيني وأنه سمع على أهل طبقته كالزين العراقي وابن الملقن ثم التقي الدجوي والبدر الطنبدي في آخرين ، وتلقن الذكر من إبراهيم الأدكاوي وغيره . ولم يزل يدأب حتى تقد في الفنون كلها وصار المعول عليه في جلها مع مزيد الفاقة والتقلل بحيث صار لذلك يتكسب بالشهادة في جامع الصالح وغيره إلى أن حصل له ولرفيقه الفيشي في تركة ابن مخلوف الزيات ألف دينار فيما قيل فأعرض حينئذ عن الشهادة وكذا تكسب بالزراعة أيضا ثم ارتقى فنزل طالبا بالمؤيدية ثم مدرس المحدثين بالبرقوقية بعد وفاة النور القمني ثم مدرس الشافعية بالأشرفية برسباي أول ما فتحت ثم شيخ سعيد السعداء برغبة الشهاب بن المحمرة ثم مدرس الغرابية بعد الشرف السبكي ودام إلى أن خطبه الظاهر جقمق لقضاء الشافعية بعد صرف شيخنا فباشره بعفة ونزاهة وتثبت في النواب بحيث أنه لم يأذن إلا لقليل منهم وقام بعمارة الأوقاف والنظر في مصالحها والصرف لمستحقيها ثم استقر به في تدريسي الفقه بالشيخونية والصلاحية المجاورة للشافعي مع النظر عليها بعد موت الونائي ثم انتزع له مشيخة البيبرسية ونظرها من شيخنا ولم يحمد العقلاء إجابته فيها ولا تعرضه لولده ونحوه مما بسطته في محاله مع أن ذلك لم يكن بمانع له عن الثناء عليه في إنبائه بعد موته ، وندم فيما بلغني على قبول الولاية وما جرت إليه وكاد أن يتزحزح عند السلطان فلم يلبث أن مات في المحرم سنة خمسين وصلي عليه في سبيل المؤمني في مشهد فيه السلطان والقضاة والعلماء والأعيان وخلق تقدمهم أمير المؤمنين ثم دفن بتربة سعيد السعداء وعظم الأسف على فقده ورثاه غير واحد كيحيى بن العطار وأولها :
حقيق أنت بالذكر الجميل * لبعدك في زمانك عن مثيل
طلعت على البرية شمس علم * فلا عجب مصيرك للأفول
وكان إماما عالما علامة غاية في التحقيق وجودة الفكر والتدقيق مزيحا للمشكلات بجلى
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع — صفحة 213
مساهمون: شمس الدين السخاوي
ص٢١٣