وبهذا يعلم أنّه أراد الإمامة
بقوله : « هو وليّ كلّ مؤمن »
؛ إذ لا يصلح إرادة غيرها في المقام .
وبالجملة ، قد دلَّت هذه الروايات على صحّة اصطفاء أمير المؤمنين للجارية ، ومضيّ فعله ؛ لأنّه من رسول اللَّه ورسول اللَّه منه ، فيفهم منها أنّه إمام فعلا .
بل يفهم من مجرّد
قوله : « هو منّي وأنا منه » ،
أنّه بمنزلته فعلا ، فيكون إماما فعليّا .
ولا ينافيه التقييد بالبعديّة في بعض الأخبار المذكورة ؛ لأنّ المراد بها التأخّر في الرتبة ، والإشارة إلى قيامه بعده بتمام شؤون الإمامة ، كما سبق تحقيقه في الآية الأولى من الآيات التي استدلّ بها المصنّف رحمه اللَّه على الإمامة [ 1 ] .
وأمّا معارضة الفضل بما ورد عندهم في شأن الأشعريّين ، ففي غير محلَّها ؛ لأنّه من حديث المخالفين ، وهو ليس حجّة علينا . .
مع أنّه من رواية أبي موسى الأشعري ، وهو محلّ التهمة ، ومنافق ؛ لبغضه عليّا [ 2 ] ، والمنافق أعظم الفاسقين ، فلا تقبل روايته لو صحّ السند
هامش
[ 1 ] راجع : ج 4 / 304 وما بعدها من هذا الكتاب .
[ 2 ] لا يخفى نفاق أبي موسى الأشعري وانحرافه وسوء مواقفه وبغضه لأمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السّلام ، ومن سبر سيرته يعلم ذلك جليّا . .
فموقفه لمّا أتاه كتاب الإمام عليّ عليه السّلام بيد محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر - رضوان اللَّه عليهما - ليجمع له أهل الكوفة لحرب الجمل ، فثبّطهم عن الخروج ، فأرسل له أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السّلام الإمام الحسن عليه السّلام وعمّار بن ياسر رضي اللَّه عنه إلى الكوفة ليستنهضا أهلها ، فماطلهما وخذّل الناس عن الاستجابة لهما ، حتّى أتى مالك الأشتر رضي اللَّه عنه وطرده . انظر حوادث سنة 36 ه في : تاريخ الطبري 3 / 25 وما بعدها ، الكامل في التاريخ 3 / 118 وما بعدها .
وما رواه سويد بن غفلة ، قال : سمعت أبا موسى الأشعري يقول : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم :
« يكون في هذه الأمّة حكمين ضالَّين ، ضالّ من اتّبعهما » فقلت : يا أبا موسى ! انظر لا تكون أحدهما ؟ ! قال : فو اللَّه ما مات حتّى رأيته أحدهما . انظر : تاريخ دمشق 32 / 92
. وما روي عن شقيق ، قال : كنّا مع حذيفة جلوسا ، فدخل عبد اللَّه [ أي : ابن مسعود ] وأبو موسى المسجد ، فقال : أحدهما منافق ؛ ثمّ قال : إنّ أشبه الناس هديا ودلَّا وسمتا برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم عبد اللَّه . انظر : تاريخ دمشق 32 / 93 .
وهذا تلميح أبلغ من التصريح كما لا يخفى ؛ ومن الثابت أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم قد أخبر حذيفة رضي اللَّه عنه بأسماء المنافقين . انظر مثلا : أسد الغابة 1 / 468 رقم 1113 .
وما روي عن حكيّم ، قال : كنت جالسا مع عمّار فجاء أبو موسى ، فقال : ما لي ولك ؟ ! قال : ألست أخاك ؟ ! قال : ما أدري ! إلَّا أنّي سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم يلعنك ليلة الجمل [ أي : ليلة العقبة ] ؛ قال : إنّه استغفر لي ؛ قال عمّار : قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار . انظر : تاريخ دمشق 32 / 93 .
ولا يخفى دلالة هذا النصّ على أنّ أبا موسى الأشعري كان من النفر الَّذين أرادوا قتل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم يوم العقبة .
ثمّ موقفه المشين يوم التحكيم في صفّين .
. . إلى غير ذلك من المواقف التي تؤكَّد انحرافه عن الإمام عليّ عليه السّلام وبغضه له ، فكان مصداقا
لقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم :
« لا يحبّك إلَّا مؤمن ، ولا يبغضك إلَّا منافق » .