كسفر ( 1 ) سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ،
وأموا علما ( 2 ) فكأنهم قد بلغوه ، وكم عسى
المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها ( 3 ) ؟
وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ،
وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها ؟
فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها ، ولا تعجبوا
بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها ،
فإن عزها وفخرها إلى انقطاع ، وإن زينتها
ونعيمها إلى زوال ، وضرائها وبؤسها إلى نفاد ( 4 ) ،
وكل مدة فيها إلى انتهاء ، وكل حي فيها إلى فناء ،
أوليس لكم في آثار الأولين مزدجر ( 5 ) ؟ وفي
آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر ان كنتم تعقلون ؟
أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ؟ والى
الخلف الباقين لا يبقون ؟ أو لستم ترون أهل
الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى : فميت
يبكى ، وآخر يعزى ، وصريع مبتلى ، وعائد
يعود ، وآخر بنفسه يجود ( 6 ) ، وطالب للدنيا
هامش
( 1 ) السفر - بفتح ، فسكون - جماعة المسافرين ، أي أن الانسان في هذه الحياة كالمسافر
في مسافة الطريق ، فإنه يصل إلى نهاية طريقه ، والانسان لابد واصل إلى نهاية حياته .
( 2 ) أموا : قصدوا .
( 3 ) المجري : الذي يجري فرسه إلى غاية معلومة ، فإنه مهما طال جريه لابد واصل في النهاية
إلى غايته .
( 4 ) نفاد : فناء .
( 5 ) مزدجر : مكان للانزجار والارتداع .
( 6 ) من ( جاد ( ؟ ) بنفسه ) إذا قارب أن يقضي نحبه ، كأنه يسخو بها ويسلمها إلى خالقها .