يعني بالمدينة - فكان يسبّ عليّا كلّ جمعة على المنبر ، وحسن بن عليّ يسمع فلا يردّ شيئا . ثمّ أرسل إليه رجلا يقول له : بعليّ وبعليّ وبعليّ وبك وبك وبك ، وما وجدت مثلك إلّا مثل البغلة يقال لها : من أبوك ؟ ! فتقول : امّي الفرس .
فقال له الحسن : « إرجع إليه فقل له : إنّي واللّه لا أمحو عنك شيئا ممّا قلت بأن أسبّك ، ولكن موعدي وموعدك اللّه ، فإن كنت صادقا جزاك اللّه بصدقك ، وإن كنت كاذبا فاللّه أشدّ نقمة » « 1 » .
وكان الوزغ بن الوزغ يقول لمّا قيل له : ما لكم تسبّون عليّا على المنابر : إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلّا بذلك « 2 » .
قال الأميني : لم يزل معاوية وعمّاله دائبين على ذلك حتّى تمرّن عليه الصغير وهرم الشيخ الكبير . ولعلّ في أوليات الأمر كان يوجد هناك من يمتنع عن القيام بتلك السبّة المخزية ، وكان يسع لبعض النفوس الشريفة أن يتخلّف عنها ، غير أنّ شدّة معاوية الحليم في إجراء أحدوثته ، وسطوة عمّاله الخصماء الألدّاء على أهل بيت الوحي ، وتهالكهم دون تدعيم تلك الإمرة الغاشمة ، وتنفيذ تلك البدعة الملعونة ، حكمت في البلاء حتّى عمّت البلوى ، وخضعت إليها الرقاب ، وغلّلتها أيدي الجور تحت نير الذلّ والهوان ؛ فكانت العادة مستمرّة منذ شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام إلى نهي عمر بن عبد العزيز طيلة أربعين سنة على صهوات المنابر وفي الحواضر الإسلاميّة كلّها من الشام إلى الريّ ، إلى الكوفة ، إلى البصرة ، إلى عاصمة الإسلام المدينة المشرّفة ، إلى حرم أمن اللّه مكّة المعظّمة إلى شرق العالم الإسلامي وغربه ، وعند مجتمعات المسلمين جمعاء .
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان « 3 » :
هامش
( 1 ) - تاريخ الخلفاء : 127 [ ص 177 ] .
( 2 ) - الصواعق المحرقة : 33 [ ص 55 ] .
( 3 ) - معجم البلدان 5 : 38 [ 3 / 191 ] .