إنّ الّذي يستشفّه المنقّب من سيرة مروان وأعماله أنّه ما كان يقيم لنواميس الدين الحنيف وزنا ، وإنّما كان يلحظها كسياسات زمنيّة فلا يبالي بإبطال شيء منها ، أو تبديله إلى آخر حسب ما تقتضيه ظروفه وتستدعيه أحواله ؛ وإليك من شواهد ذلك عظائم ، وعليها فقس ما لم نذكره :
1 - أخرج البخاري « 1 » من طريق أبي سعيد الخدري قال : « خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلمّا أتينا المصلّى إذا منبر بناه كثير ابن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي ، فجبذت ثوبه فجبذني ، فارتفع فخطب قبل الصلاة . فقلت له : غيّرتم واللّه . فقال : أبا سعيد ! قد ذهب ما تعلم . فقلت : ما أعلم واللّه خير ممّا لا أعلم . فقال : إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة » .
أترى مروان كيف يغيّر السنّة ؟ ! وكيف يفوه ملء فمه بما لا يسوغ لمسلم أن يتكلّم به ؟ !
نعم ، كان لمروان في المقام ملحوظتان : الأولى اقتصاصه أثر ابن عمّه عثمان ، والآخر أنّه كان يقع في الخطبة في مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ويسبّه ويلعنه فتتفرّق عنه الناس لذلك ، فقدّمها على الصلاة لئلّا يجفلوا فيسمعوا العظائم ويصيخوا إلى ما يلفظ به من كبائر وموبقات ؛ راجع تفصيلا ذكرناه في كتابنا تلخيص الغدير « 2 » .
ويستظهر ممّا ورد « 3 » من كلام عبد اللّه بن الزبير : « كلّ سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد غيّرت حتّى الصلاة » : إنّ تسرّب التغيير ولعب الأهواء بالسنن لم يكن مقصورا على الخطبة قبل الصلاة فحسب ، وإنّما تطرّق ذلك إلى كثير من الأحكام .
2 - سبّه لمولانا أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام . وكان الرجل كما قال أسامة بن زيد
هامش
( 1 ) - صحيح البخاري [ 1 / 326 ، ح 913 ] .
( 2 ) - تلخيص الغدير / 806 - 810 .
( 3 ) - كتاب الامّ للشافعي 1 : 208 [ 1 / 235 ] .