تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
الفرع بعد ذهاب الأصل أفضل الأشياء عند المصائب الصبر وانما أهل الدنيا سفر لا يحلون الركائب إلا في غيرها فما أحسن الشكر عند النعم والتسليم عند الغير فاعتبر بمن رأيت من أهل الجزع فان رأيت الجزع رد أحدا منهم إلى ثقة من درك فما أولاك به واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها فاتق فان المرجع قريب واعلم أنه انما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي وما ترك أكثر فإن نسيت الصبر فلا تنس الشكر وكلا فلا تدع واحذر من الغفلة استلاب النعم وطول الندامة فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الغنيمة غدا فاستقبل المصيبة بالحسبة تستخلف بها نعما فإنما نحن في الدنيا غرض ينتضل فيه بالمنايا ونهب للمصائب مع كل جرعة شرق ومع كل أكلة غصص لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى ولا يستقبل معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله ولا تحدث له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ونحن أعوان الحتوف على أنفسنا وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء فمن أين نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفا إلا أسرعا الكرة في هدم ما رفعا وتفريق ما جمعا فاطلب الخير من أهله واعلم أن خيرا من الخير معطية وشرا من الشر فاعله وقال أبو نواس : أتتبع الظرفاء اكتب عنهم * كيما أحدث من أحب فيضحكا وقال آخر : قدرت فلم أترك صلاح عشيرتي * وما العفو إلا بعد قدرة قادر وقال آخر : أخو الجد ان جد الرجال وشمروا * وذو باطل ان كان في القوم باطل وروى قبيصة بن عمر المهلبي ان رجلا أتى ابن أبي عيينة فسأله ان يكتب إلى داود بن يزيد كتابا ففعل وكتب في أسفله : ان امرأ قذفت إليك به * في البحر بعض مراكب البحر تجري الرياح به فتحمله * وتكف أحيانا فلا تجري ويرى المنية كلما عصفت * ريح به للهول والذعر