قالوا شعرا قليلا كان ذلك أم كثيرا وسمعوا واستنشدوا فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز فكيف يحل ما هو أكثر ويحرم ما هو أقل وقال غيرهما إذا لم يطل ذلك ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة أو ملتمسة متكلفة وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء حلبت ركابي وحرقت ثيابي وضربت صحابي ومنعت إبلي من الماء والكلاء
قال أو سجع أيضا فقال الأعرابي فكيف أقول
لأنه لو قال حلبت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي لكان لم يعبر عن حق معناه وانما حلبت ركابه فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب وكذا قوله حرقت ثيابي وضربت صحابي لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره وإذا طال وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا ومطلوبا مستكرها
وفي الحديث المأثور - ويدخل على من طعن في قوله تعالى « تبت يدا أبي لهب » وزعم أنه شعر لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن - وطعن في قوله عليه السلام ( هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ) :
فيقال له اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل مستفعلن فاعلن كثيرا وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا ولو أن رجلا من الباعة صاح من يشتري باذنجان لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولان فكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها كان ذلك شعراء وهذا قريب والجواب فيه سهل بحمد الله وسمعت غلاما لصديق لي وكان قد سقى بطنه يقول لغلمان مولاه اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى وهذا الكلام يخرج وزنه فاعلاتن مفاعلن مرتين وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر بباله قط أن يقول بيت شعر أبدا ومثل هذا كثير لو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته
وكان الذي كره الاسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة ان كهان العرب الذين كان أكثر أهل الجاهلية يتحاكمون إليه م وكانوا
البيان والتبيين — صفحة 154
مساهمون: الجاحظ
ص١٥٤