أخذ مدية فوجأ بها جنبه ليموت فيستريح ، فسال ذلك الماء ، وذهب ما كان به من برص ، فأقام أيّاما ثم دخل إلى قريش كما كان يدخل ، فقال :
لا همّ ربّ وائل ونهد
واليعملات والخيول الجرد [ 1 ]
وربّ من يسعى بأرض نجد
أصبحت عبدا لك وابن عبد
أبرأت منّي وضحا بجلدي
من بعد ما طعنت في معدّي [ 2 ]
وقالوا : ممّن كشح بالنار : [ 3 ] مسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس ، كان وفد على النعمان فسقى بطنه هناك ، وأصابه وضح ، فقيل للنّعمان : ليس له دواء إلَّا الكيّ ، وخبّروه بشأن أبي عزّة ، فكواه فمات .
وهو الذي قال عند الكيّ [ 4 ] :
قد يضرط العير والمكواة في النّار
فأرسلها مثلا ، فرثاه أبو طالب في كلمة له طويلة :
ليت شعري مسافر بن أبي عم
رو ، وليت يقولها المحزون [ 5 ]
هامش
[ 1 ] الرجز في المحبر 301 ، وعيون الأخبار 4 : 67 ، واليعملات واحدتها يعملة ، وهى الناقة النجيبة المعتملة . والجرد : جمع أجرد وجرداء ، وهو القصير الشعر .
[ 2 ] المعد : الجنب والبطن ، كمافي اللسان والقاموس ( معد ) . وفي عيون الأخبار :
مع ما طعنت اليوم في معدى
[ 3 ] الكشح : الكي بالنار في موضع الكشح ، وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف ، من لدن السرة إلى المتن . ومنه سمي المكشوح المرادي . وفي الأصل : " كسح " بالسين المهملة ، تحريف .
[ 4 ] هذا قول في صاحب هذا المثل ، كما في أمثال الميداني في باب القاف . وقال أيضا :
" أول من قال ذلك عرفطة بن عرفجة الهزاني " وانظر قصة المثل فيه وفي الفاخر 71 ، 154 ، والأغاني 8 : 94 ، والحيوان 2 : 257 .
[ 5 ] الأبيات في ديوان أبي طالب الورقة 7 من مخطوطة الشنقيطي في ثلاثة عشر بيتا ، منها سبعة في الأغاني 8 : 48 . ومسافر بن أبي عمرو أحد ثلاثة من أجواد العرب كانوا يدعون " أزواد الركب " ، كانوا لا يدعون غريبا أو عابر سبيل أو محتاجا يجوزهم إلا أنزلوه وتكفلوا به حتى يظعن . ثانيهم : زمعة بن الأسود بن المطلب . وثالثهم : أبو أمية بن عبد اللَّه بن عمر ابن مخزوم . الخزانة 3 : 447 ، والأغاني 8 : 46 - 50 .