Skip to main content

بغية الطلب في تاريخ حلب — Page 683

Contributors:

P.683
وأما شرح الخبر فإن فاتكا كان صديقا لي وكان كما سمي فاتكا لسفكه الدماء وأقدامه على الأهوال فلما سمع الشعر الذي هجي به ضبة أحفظه ذلك واشتد عليه ورجع على ضبة باللوم وقال له قد كان يجب أن لا تجعل لشاعر عليك سبيلا وأضمر غير ما أظهر واتصل به انصراف المتنبي من بلد فارس إلى العراق وأن اجتيازه بجبل ودير العاقول فلم يكن ينزل عن فرسه وجماعة معه من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه في طلبه واستعلام خبره من كل صادر ووارد وكان فاتك يتحرق خوفا أن يفوته وكان كثيرا ما يجيئني وينزل عندي فقلت له يوما وقد جاءني وهو يسأل قوما مجتازين عنه قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل فأي شيء عزمك أن تفعله به متى لقيته قال ما عزمي إلا الجميل وأن أعذله على ما أفحش فيه من الهجاء فقلت هذا الأليق بأخلاقك والأشبه بأفعالك فتضاحك ثم قال يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه ولأمحقن حياته إلا أن يحال بيني وبينه فقلت له كف عافاك الله عن هذا القول وارجع إلى الله وأزل هذا الرأي عن قلبك فإن الرجل شهير الاسم بعيد الصوت وقتلك إياه في شعر قاله لا يحسن وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية والخلفاء في الاسلام فما علمنا أن شاعرا قتل بهجاء وقد قال : هجوت زهيرا ثم إني مدحته * وما زالت الأشراف تهجا وتمدح ولم يبلغ جرمه ما يوجب قتله فقال يفعل الله ما يشاء وانصرف فلم يمض لهذا القول إلا ثلاثة أيام حتى وافى المتنبي ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب والفضة والثياب والطيب والجوهر والآلة لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهما ولا دينارا ولا ثوبا ولا شيئا يساوي درهما واحدا فما فوقه وكان أكثر اشفاقه على دفاتره لأنه كان قد انتخبها وأحكمها قراءة وتصحيحا قال فتلقيته وأنزلته داري وسائلته عن أخباره وعمن لقي وكيف وجد من