في كتابه : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( 1 ) . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك
وأقرانك ، وبقيت بعدهم كَقَرن أعْضَب . أُنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل
وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيراً أهملوه ، وعلمت شيئاً
جهلوه ، بل حظّيت بما حلّ من حالك في صدور العامة ، وكلّفهم بك ، إذ صاروا
يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حَرّمت حَرّموا ، وليس
ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم ، وغلبة
الجهل عليك وعليهم ، وحبّ الرئاسة ، وطلب الدنيا منك ومنهم ، أما ترى ما أنت
فيه من الجهل والغِرّة ، وما النّاس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل
عن مكاسبهم ممّا رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو
يدركوا به مثل الّذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يُدرك عُمقه ، وفي بلاء
لا يقدر قَدرَهُ ، فالله لنا ولك ، وهو المُستعان .
أمّا بعد ، فاعرض عن كلّما فيه أنت ، حتّى تلحق بالصالحين ، الّذين دُفنوا في
أسمالهم ( 2 ) ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ،
ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا ، فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مِثلك هذا
المبلغ مع كبر سنّك ، ورسوخ عملك ( 3 ) ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في
سنّه ؟ ! الجاهل في علمه ، المأفون في رأيه ، المدخول في عقله ، إنا لله وإنا إليه راجعون ،
على مَن المعوَّل به ؟ وعند مَن المُستَعْتَبُ ؟ نشكو إلى الله بثّنا ( 4 ) وما نرى فيك ، ونحتسب
عند الله مصيبتنا بك ! فانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً ، وكيف
أعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً ؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك
بكسوته في الناس ستيراً ؟ وكيف قربك أو بعدك ممّن أمَرَكَ أن تكون منه قريباً ذليلاً ؟
هامش
1 . الذاريات : 55 .
2 . " السمل " : الثوب الخلق البالي ، جمعه أسمال .
3 . في نسخة : " عقلك " .
4 . " البثّ " : أشد الحزن .