العرفان ، يحتاج إلى روح بلال وأمثال بلال ، من لوحتهم شمس فيوضات الحبيب ، ولوعهم البعد والجوى ، فأدركوا مجاز دنياهم ، واستصغروا كل ما فيها وهرعوا بكل وجودهم إلى الطاعة ، فتذوقوا حلاوتها وأنسها ، حتى صار الشقاء في سبيل المحبوب لديهم أشهى من العسل .
وبلال في هذه المرتبة التي لا يبلغها إلا أولئك الخواص الذين انتصروا على أنفسهم وطوعوها بإرادتهم .
في أرض الرباط :
مضت الأيام ، ومضى محمد " صلى الله عليه وآله " إلى حبيبه ، ثكلت الأرض كل الأرض ، والزمان كل الزمان بفراقه . وعاد بلال يتيما كما كان .
كان يرى محمدا " صلى الله عليه وآله " في الحياة ، من ذرتها إلى مجرتها .
نهاره محمد " صلى الله عليه وآله " . .
وليله محمد " صلى الله عليه وآله " . .
فرحه محمد " صلى الله عليه وآله " . .
وحزنه محمد " صلى الله عليه وآله " . .
وماذا ننتظر من بلال ومنذ تلك اللحظة التي أهيل فيها التراب على رسول الله " صلى الله عليه وآله " حتى آخر لحظة من عمر بلال وهو في حزن لا يفارق سحنته . . وتأوهات مريض من غير مرض .
هذا الذي تصنعه لوعة الفراق ! .
ما أثقل العمر ، وما أضيق مساحة الحياة على من يرى بأم عينيه رحيل حبيبه ، وأي حبيب ؟ !