وقال أبو جعفر عليه السلام : لما نزل " فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " قال
المسلمون : كيف نصنع إن كان كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا
ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام ، فأنزل الله تعالى : " وما على الذين
يتقون من حسابهم من شئ " أم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا . ( 1 )
وفي قوله : " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران " استهوته من قولهم :
هوى من حالق : إذا تردى ، ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم ، وقيل : استغوته
الغيلان في المهامه ، ( 2 ) وقيل : دعته الشياطين إلى اتباع الهوى ، وقيل : أهلكته ، وقيل :
ذهبت به " له أصحاب يدعونه إلى الهدى " أي إلى الطريق الواضح ، يقولون له : " ائتنا "
ولا يقبل منهم ولا يصير إليهم لأنه قد تحير لاستيلاء الشيطان عليه . ( 3 )
وفي قوله : " وما قدروا الله حق قدره " جاء رجل من اليهود يقال له : مالك بن
الصيف ( 4 ) يخاصم النبي صلى الله عليه وآله ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : أنشدك بالذي أنزل التوراة على
موسى أما تجد في التوراة أن الله سبحانه يبغض الحبر السمين ؟ - وكان سمينا - فغضب وقال :
والله ما أنزل الله على بشر من شئ ، فقالوا له أصحابه : ويحك ولا موسى ؟ فنزلت
الآية ، عن سعيد بن جبير ، وفي رواية أخرى عنه : إنها نزلت في الكفار أنكروا قدرة
الله عليهم ، فمن أقر أن الله على كل شئ قدير فقد قدر الله حق قدره ، وقيل : نزلت
في مشركي قريش ، عن مجاهد ، وقيل : إن الرجل كان فنحاص بن عازوراء وهو قائل
هذه المقالة ، عن السدي ، وقيل : إن اليهود قالت : يا محمد أنزل الله عليك كتابا ؟ قال :
نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا فنزلت ، عن ابن عباس " تجعلونه قراطيس "
أي كتبا وصحفا متفرقة ، أو ذا قراطيس ، أي تودعونه إياها " تبدونها وتخفون كثيرا "
أي تبدون بعضها وتكتمون بعضها وهو ما في الكتب من صفات الرسول صلى الله عليه وآله والإشارة
إليه " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " قيل : إنه خطاب للمسلمين ، وقيل : هو
هامش
( 1 ) مجمع البيان 4 : 315 و - 31 .
( 2 ) الحالق من الجبال : المنيف المرتفع لا نبات فيه . المكان المشرف . المهامه جمع المهمة
والمهمهة المفازة البعيدة . البلد المقفر .
( 3 ) مجمع البيان 4 : 319 . ( 4 ) في المصدر : مالك بن الضيف .