وقال الرازي : في تفسير قول النصارى : " ثالث ثلاثة " طريقان : الأول : قول
المفسرين وهو أنهم أردوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة . والثاني : أن
المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ثلاثة أقانيم : أب ، وابن ،
وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع
والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبالروح الحياة ، وأثبتوا الذات
والكلمة والحياة ، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط
الماء بالخمر والماء باللبن ، وزعمت أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل
إله واحد ، واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل فإن الثلاثة لا تكون واحدا ،
والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادا من مقالة النصارى . ( 1 )
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : " ترى كثيرا منهم " أي من اليهود " يتولون
الذين كفروا " يريد كفار مكة ، يريد بذلك كعب بن الأشرف وأصحابه حين استحاشوا
المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله كما مر ، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام : يتولون الملوك
الجبارين ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم . ( 2 )
وفي قوله تعالى : " ما جعل الله من بحيرة " يريد : ما حرمها أهل الجاهلية ،
والبحيرة : هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا اذنها ( 3 )
وامتنعوا من ركوبها ونحرها ، ولا تطرد من ماء ، ولا تمنع من مرعى ، فإذا لقيها
المعيي ( 4 ) لم يركبها ، وقيل : إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن
الخامس فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا ، وإن كانت أنثى شقوا
اذنها فتلك البحيرة ، ثم لا يجز لها وبر ، ولا يذكر عليها اسم الله إن ذكيت ، ولا
هامش
( 1 ) التفسير الكبير 3 : 433 ، وفيه : وزعموا أن الأب إله .
( 2 ) مجمع البيان 3 : 232 ، وفيه : " استجاشوا " بالجيم وهو الصحيح ، أي طلبوا منهم
المدد والجيش .
( 3 ) أي شقوا اذنها .
( 4 ) المعيى : العاجز .