مال هذا الرسول يأكل الطعام " كما نأكل " ويمشي في الأسواق " لطلب المعاش كما نمشي ،
وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات ، فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس
بأمور جسمانية ، وإنما هو بأحوال نفسانية . ( 1 )
وفي قوله : " وجعلنا بعضكم " أي الناس " لبعض فتنة " أي ابتلاء ، ومن ذلك
ابتلاء الفقراء بالأغنياء ، والمرسلين بالمرسل إليهم " أتصبرون " علة للجعل ، والمعنى :
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر ؟ . ( 2 )
وفي قوله : " كذلك لنثبت به فؤادك " أي كذلك أنزلناه متفرقا لنقوي بتفريقه
فؤادك على حفظه وفهمه ، لان حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان
أميا وكانوا يكتبون ، فلو القي إليه جملة لتعيى بحفظه ، ( 3 ) ولان نزوله بحسب
الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعني ، ولأنه إذا نزل منجما ( 4 ) وهو يتحدى
بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه ، ولأنه إذا نزل به جبرئيل عليه السلام
حالا بعد حال يثبت به فؤاده ، ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ، ومنها انضمام القرائن
الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة " ورتلناه ترتيلا " أي وقرأناه
عليك شيئا بعد شئ على تؤدة وتمهل في عشرين سنة ، أو في ثلاث وعشرين سنة ،
" ولا يأتونك بمثل " بسؤال عجيب " إلا جئناك بالحق " الدامغ له في جوابه " وأحسن
تفسيرا " أي ما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم ، أو لا يأتونك بحال عجيبة يقولون :
هلا كانت هذه حاله ؟ إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن
كشفا لما بعثت له . ( 5 )
وفي قوله : " وكان الكافر على ربه ظهيرا " يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك
" إلا من شاء " أي إلا فعل من شاء " أن يتخذ إلى ربه سبيلا " أن يتقرب إليه ، فصور
ذلك بصورة الاجر من حيث إنه مقصود فعله ، واستثناه منه قلعا لشبهة الطمع
وإظهارا لغاية الشفقة ، حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن
هامش
( 1 ) أنوار التنزيل 2 : 155 . ( 2 ) أنوار التنزيل 2 : 159 .
( 3 ) كذا في النسخ . ( 4 ) أي في أوقات معينة .
( 5 ) أنوار التنزيل 2 : 162 .