إليك انتهى .
ويحتمل أن يكون المعنى أن الطافك ورحماتك تزيد على عبادته كما ورد في
الحديث القدسي من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، ومن تقرب إلى ذراعا " تقربت
إليه باعا " .
" خائنة الأعين " أي النظرة الخائنة الصادرة عن الأعين ، أو الخائنة مصدر كالعافية
أي خيانة الأعين .
وقال الوالد - ره - في أكثر نسخ التهذيب : " يدلج " بالياء فيحتمل أن يكون
صفة للبحر إذ السائر في البحر يظن أن البحر متوجه إليه ويتحرك نحوه ، ويمكن
أن يكون التفاتا " فيرجع إلى المعنى الأول انتهى . " غارت النجوم " أي تسفلت
وأخذت في الهبوط والانخفاض ، بعد ما كانت آخذة في الصعود والارتفاع ، واللام للعهد
ويجوز أن يكون بمعنى غابت بأن يكون المراد بها النجوم التي كانت في أول الليل
في وسط السماء " والسنة " بالكسر مبادي النوم .
" لايات " أي علامات عظيمة أو كثيرة دالة على كمال القدرة " لأولي الألباب "
أي لذوي العقول الكاملة ، وسمى العقل لبا " لأنه أنفس ما في الانسان فما عداه كأنه
قشر " ربنا ما خلقت هذا باطلا " ( 1 ) أي قائلين حال تفكرهم في تلك المخلوقات العجيبة
هامش
( 1 ) إنما تفرع قوله " فقنا عذاب النار " على قوله " ربنا ما خلقت هذا باطلا " لان
هناك مقالتين : مقالة المبطلين النافين للمعاد بالرجوع إلى الله ، فعندهم لا كتاب ولا رسالة
ولا حشر ولا جنة ولا نار ، ومقالة المحقين القائلين بالمعاد - وهو مقالة النبيين وأممهم -
فعندهم أن الكتاب حق والنبوة حق والمعاد حق والجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من
في القبور .
فإذا تفكر المتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وعرف بلبه
أن لها غاية ونهاية أراد مبدعها وخالقها أن ينتهى أمر الخلقة إلى تلك الغاية والمقصد ، أدى
نظره واعتباره إلى بطلان مزعمة المبطلين وتحقيق عقائد المحقين من وجود الجنة والنار ،
فبادر إلى الاستعاذة بالله من النار بأن يقيه من عذابه .
بيان ذلك : أن الباطل - خلاف الحق - هو ما لا ثبات لنفسه ، ولا أثر يترتب
عليه ، ولا فائدة تستعقبه ، ولا يتصور له غاية تراد منه ، بل يوجد بحقيقة صورية يشبه
الحق ثم يضمحل ويهلك كأن لم يكن شيئا " مذكورا " .
وهذا كاللهو واللعب : يلهو الصبي ويلعب لأجل اللهو واللعب ويعمل عملا كأعمال
العقلاء يتشبه بهم من دون عائدة يستحصلها ولا غاية ينتهى إليها ، كما قد يلهو الرجل
العاقل ويلعب عبثا من دون أن يقصد بعمله فائدة ، دفعا للوقت أو تصابيا " وتفننا " والجنون
فنون .
هذا هو الباطل ، وأما خلق السماوات والأرض بما فيها من العظمة والبهاء ، بما فيها
من النظام الدائم الجاري ، بما فيها من أنواع الحيوان وأصناف البشر ، بما قدر فيها من
الأرزاق والأقوات ، بما جعل فيها من تعاقب الليل والنهار وما في تعاقبهما واختلافهما من
مصالح الحياة واستدامتها على وجه الأرض لا يشبه اللهو الباطل ، فسبحان باريها ومبدعها
أن يكون لاهيا " في ذلك لاعبا " ، أو يترك الانسان على أرجائها سدى يرتع ويلعب من دون
أن يبين لهم ما يتقون .
فإذا عرف الناظر ذو اللب أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار غاية
أرادها مبدعها ، وأن تلك الغاية - أياما كان - لم تستكمل بعد ، والا لما استدام خالقها على
ابقائها ، علم بذلك أن لا بد للسموات والأرض وبقائهما من أجل مسمى يستكمل عنده الغاية
وان لم يعرف حقيقة تلك الغاية بنفسه ، ولا درى كيف يأتي أجلها ولا أيان مرساها .
فعند ذلك ينجذب هذا الناظر المتفكر إلى مبادئ الوحي والالهام ، ويصغى بسمع
قلبه إلى دعوى النبيين عن الله عز وجل ليعرف من مقالهم ومقال كتب الله المنزلة عليهم حقيقة
تلك الغاية ، والغرض من خلق الحياة والموت ، فيصرخ الصارخ في صماخه أن اليوم المضمار
وغدا السباق ، والسبق الجنة ، والغاية النار ، هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم
أحسن عملا وهو العزيز الغفور .
وفي ذلك قال الله عز وجل : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض
وما بينهما الا بالحق واجل مسمى وان كثيرا " من الناس بلقاء ربهم لكافرون ( الروم : 8 ) ما خلقنا
السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين بل
نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ( الأنبياء : 16 - 18 ) .
وقال عز وجل : ان هؤلاء ليقولون : ان هي الا موتتنا الأولى وما نحن بمنشيرين فأتوا بآبائنا
ان كنتم صادقين . . وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الا بالحق ولكن
أكثرهم لا يعلمون ان يوم الفصل ميقاتهم أجمعين . ( الدخان : 34 - 40 ) .
وقال تبارك وتعالى : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا
فويل للذين كفروا من النار ، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض
أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب
( ص : 27 - 29 ) .