لأتم نعمتي عليكم ) أو على " لئلا يكون " .
" ليس البر أن تولوا وجوهكم " ( 1 ) البر كل فعل مرضي ، قيل الخطاب لأهل
الكتاب ، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة ، حين حولت ، وادعى كل طائفة أن
البر هو التوجه إلى قبلته ، فرد الله عليهم ، وقال : ليس البر ما أنتم عليه فإنه
منسوخ ، ولكن البر ما نبينه واتبعه المؤمنون ، وقيل عام لهم وللمسلمين أي ليس
البر ( مقصورا بأمر القبلة أوليس البر ) العظيم الذين يحسن أن تذهلوا بشأنه عن
غيره أمرها .
وفي تفسير الإمام عليه السلام ( 2 ) قال علي بن الحسين عليه السلام : ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما
فضل عليا عليه السلام وأخبر عن جلالته عند ربه عز وجل ، وأبان عن فضيلة شيعته وأنصار
دعوته ، ووبخ اليهود والنصارى على كفرهم وكتمانهم ، لذكر محمد وعلي وآلهما في
كتبهم بفضائلهم ومحاسنهم ، فخرت اليهود والنصارى عليهم فقالت اليهود قد صلينا
إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة ، وفينا من يحيي الليل صلاة إليها وهي قبلة موسى التي
أمرنا بها ، وقالت النصارى قد صلينا إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة ، وفينا من يحيي
الليل صلاة إليها ، وهي قبلة عيسى التي أمرنا بها ، وقال كل واحد من الفريقين
أترى ربنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة وصلواتنا إلى قبلتنا لئلا نتبع محمدا على هواه
في نفسه وأخيه ؟ .
فأنزل الله : قل يا محمد " ليس البر " الطاعة التي تنالون بها الجنان ، وتستحقون
بها الغفران والرضوان " أن تولوا وجوهكم " بصلاتكم " قبل المشرق " أيها النصارى
" و " قبل " المغرب " أيها اليهود ( 3 ) وأنتم لأمر الله مخالفون ، وعلي ولي الله مغتاظون .
هامش
( 1 ) البقرة : 177 .
( 2 ) تفسير الامام : 271 .
( 3 ) أما النصارى ، فإنما كانوا يصلون إلى المشرق ، لما كان صليب عيسى عليه السلام
الذي توهموه مصلوبا عليه قد نصب في ناحية المشرق من ذاك البلد ، وكانوا رفعوه على
الأخشاب قبيل طلوع الشمس ، فاتخذت النصارى جهة الصليب وهي المشرق قبلة لهم ، وربما
صوروا تمثال المسيح وجعلوه على صليب وعلقوه في الكنيسة وصلوا إليه ، من دون رعاية
المشرق والمغرب .
وأما اليهود فكانوا يستقبلون أرض القدس : البيت المقدس ففي المدينة كانوا يتجهون
المغرب مائلا إلى سمت الجنوب بدرجات ، وأما في البلدان المغربية كبلاد مصر وما والاها
يلزمهم أن يتجهوا إلى المشرق كما هو ظاهر ، فعلى هذا تعريض الآية إن كان إلى اليهود
والنصارى وأن قبلتهم المشرق والمغرب لا ينفعهم ، فإنما هم يهود المدينة ونصاراها ، لا
كل البلاد .