إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة . طوبى لمن
جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عنيه لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب
وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد . إنما الناس رجلان مبتلى ومعافي ، فارحموا
المبتلى واحمدوا الله على العافية " .
يا ابن جندب صل من قطعك ، واعط من حرمك ، وأحسن إلى من أساء إليك
وسلم على من سبك ، وأنصف من خاصمك ، واعف عمن ظلمك ، كما أنك تحب
أن يعفى عنك ، فاعتبر بعفو الله عنك ، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار
والفجار ، وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين .
يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك ، فإنك إن فعلت ذلك
فقد استوفيت أجرك ، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك ، فإن الذي
تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا
يطلع الناس على صدقتك . واخفض الصوت ، إن ربك الذي يعلم ما تسرون
وما تعلنون ، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه ، وإذا صمت فلا تغتب أحدا ، ولا
تلبسوا صيامكم بظلم ، ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس ، مغبرة وجوههم ، شعثة
رؤوسهم ، يابسة أفواههم لكي يعلم الناس أنهم صيام .
يا ابن جندب الخير كله أمامك ، وإن الشر كله أمامك ، ولن ترى الخير
والشر إلا بعد الآخرة ، لان الله عز وجل جعل الخير كله في الجنة والشر كله
في النار ، لأنهما الباقيان ، والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالايمان
وألهمه رشده ، وركب فيه عقلا يتعرف به نعمه ، وآتاه علما وحكما يدبر به أمر
دينه ودنياه ( 1 ) أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره ، وأن يذكر الله ولا ينساه
وأن يطيع الله ولا يعصيه ، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر ، وللحديث الذي أنعم
عليه بعد إذ أنشأه مخلوقا ، وللجزيل الذي وعده ، والفضل الذي لم يكلفه من
طاعته فوق طاقته وما يعجز عن القيام به وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك
هامش
( 1 ) " الواجب " مبتدأ وخبره جملة " أن يوجب على نفسه الخ " .