تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
النار في النار معذبين ، شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة ، أنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة ، فصاروا بعقبى راحة طويلة ، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم ، وهم يجأرون إلى ربهم ، يسعون في فكاك رقابهم . وأما النهار فحكماء علماء ، بررة ، أتقياء ، كأنهم القداح ، قد براهم الخوف من العبادة ، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض ، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم ، من ذكر النار وما فيها ( 1 ) . توضيح : " إن الدنيا قد ارتحلت " يقال رحل وارتحل اي شخص وسار " مدبرة " المراد بادبار الدنيا تقضيها وانصرامها وباقبال الآخرة قرب الموت وما يكون بعدها من نعيم أو عذاب ، فشبه الدنيا وحياتها براكب حمل على مراكبها أثقالها وهي لذات الدنيا وشهواتها وأموالها ، وساير ما يتعلق الانسان بها والموت براكب آخر حمل على مراكبه نعيمه وعذابه ، وساير ما يكون بعده فالراكب الأول يوما فيوما وساعة فساعة في التقضي والفناء ، فهو يبعد عن الانسان ، والراكب الثاني يسير إلى الانسان ويقرب منه فعن قريب يصل إليه فلا بد من الاستعداد لوصوله وتلقيه بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة . " ولكل واحدة منهما بنون " استعار عليه السلام لفظ البنين للعباد بالنسبة إلى الدنيا والآخرة فشبههم لميل كل منهم إلى إحداهما ميل الولد إلى ولده ، وركون الفصيل إلى أمه ، وتوقع كل منهم توقع النفع من إحداهما ، ومشابهته بها وكونه مخلوقة لأجلها وشبه كلا منهما بالأب أو بالام لتأنيثهما أو الآخرة بالأب والدنيا بالام لنقصها ولمناسبة الاباء العلوية بالأولى والأمهات السفلية بالثانية ، فكأن أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا أب لهم . " فكونوا من أبناء الآخرة " لبقائها وخلوص لذاتها ولكونها صادقة في وعدها " ولا تكونوا من أبناء الدنيا " لفنائها وكذبها وغرورها ، وكون لذاتها مشوبة بأنواع الآلام ، ثم أشار عليه السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا ، وترك العمل
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 132 .
بحار الأنوار — صفحة 44 | العلامة المجلسي / السيد إبراهيم الميانجي / محمد الباقر البهبودي