صدور الناس " أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع ، ثم
ذكر أنه " من الجنة " وهو الشياطين " والناس " عطف على الوسواس .
وثالثها أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله : " من
الجنة والناس " فوسواس الجنة هو وسواس الشيطان ، وفي وسواس الانس وجهان :
أحدهما أنه وسوسة الانسان من نفسه ، والثاني إغواء من يغويه من الناس ، ويدل
عليه " شياطين الإنس والجن " ( 1 ) فشيطان الجن يوسوس ، وشيطان الانس يأتي علانية
ويري أنه ينصح وقصده الشر .
قال مجاهد : الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض ، وإذا لم
يذكر الله انبسط على القلب ، ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الشيطان واضع
خطمه على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وإن نسي التقم قلبه ، فذلك
الوسواس الخناس ، وقيل : الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور ، وهو المستتر
المختفي عن أعين الناس ، لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين ، وقيل : إن المعنى
يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه ، والمراد أن له رفقا ، به يوصل الوسواس إلى الصدر
وهو أغرب من خلوصه بنفسه إلى الصدر .
وروى العياشي عن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما من مؤمن
إلا ولقلبه في صدره أذنان : اذن ينفث فيها الملك ، واذن ينفث فيها الوسواس
الخناس ، فيؤيد الله المؤمن بالملك ، وهو قوله سبحانه : " وأيدهم بروح منه " ( 2 ) .
وقال رحمه الله في قوله تعالى : " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " أي ثبت
في قلوبهم الايمان بما فعل بهم من الألطاف ، فصار كالمكتوب ، وقيل : كتب في
قلوبهم علامة الايمان ، ومعنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم
مؤمنون " وأيديهم بروح منه " أي قواهم بنور الايمان ، ويدل عليه قوله :
" وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الأنعام : 112 .
( 2 ) انتهى كلام الطبرسي .
( 3 ) الشورى : 52 .