قال : إن يقيني يا رسول الله هو أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري ، فعزفت
نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب
وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها
ويتعارفون على الأرائك متكئين ، وكأني أنظر إلى أهل النار فيها معذبون
يصطرخون ، وكأني أسمع الآن زفير النار يعزفون في مسامعي ، قال : فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله لأصحابه : هذا عبد نور الله قلبه للايمان ، ثم قال : الزم ما
أنت عليه ، قال : فقال له الشاب : يا رسول الله ادع لي أن ارزق الشهادة معك
فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله
فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر ( 1 ) .
هامش
( 1 ) المحاسن ص 250 ، قال العلامة المؤلف قدس سره في المرآة ج 2 ص 77 :
اعلم أن هاتين الروايتين تدلان على أن حارثة استشهد في زمن الرسول صلى الله عليه
وآله ، وقال بعضهم : وينافيه ما ذكره الشيخ في رجاله حيث قال : حارثة بن نعمان
الأنصاري كنيته أبو عبد الله شهد بدرا واحدا وما بعدهما من المشاهد وشهد مع أمير المؤمنين
عليه السلام القتال : وتوفي في زمن معاوية .
قال : وهو خطأ لان المذكور في الخبر حارثة بن مالك وجده النعمان وما ذكره
الشيخ حارثة بن النعمان وهو غيره ، والعجب أن هذا الحديث مذكور في كتب العامة أيضا
كما يظهر من النهاية ، وهذا الرجل غير مذكور في رجالهم ، وكأنه لعدم الرواية عنه ، كما
أن أصحابنا لم يذكروه لذلك .
أقول : عنون ابن حجر في الإصابة تحت الرقم 1532 حارثة بن مالك بن نفيع
وذكر نسبه إلى مالك بن النجار الأنصاري وهو الذي عنونه الشيخ في رجاله ، وذكر ما ذكره
على التفصيل ، وعنون تحت الرقم 1478 الحارث بن مالك الأنصاري وأخرج حديثه هذا
عن عدة من الجوامع الحديثية بألفاظ مختلفة ، وذكر أنه معضل وأنهم لا يعولون على حديثه
هذا لأنه ضعيف أو لا يثبت موصولا .
وأقول : الظاهر أن هذا الحديث من سفاسف المتصوفة المتزهدة خصوصا بملاحظة
ما في بعضها انه كان في المسجد يخفق ويهوى برأسه ، فإنه من شعار المتصوفة .
وهكذا ما روى في الكافي انه بينا رسول الله في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام
عليك يا رسول الله : فقال : ما أنتم ؟ فقالوا : نحن مؤمنون يا رسول الله . قال : فما حقيقة ايمانكم ؟
قالوا : الرضا بقضاء الله ، والتفويض إلى الله ، والتسليم لأمر الله ، فقال رسول الله : علماء حكماء
كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء الحديث .
فلا ندري أن هذه العصابة التي كادوا أن يكونوا أنبياء ، من كانوا وعند من تعلموا
الحكمة والعلم النافع حتى ارتقوا هذه الدرجة العليا ؟ فان كانوا أصحابه فلم لم يعرفهم رسول الله
وسأل من أنتم ؟ أو ما أنتم ؟ ولم لم يعرفوا في الصحابة ولم يشهروا ، وان لم يكونوا من
أصحابه ، فعمن أخذوا الحكمة ؟ ومنبعها وعاصمتها مدينة الرسول " صلى الله عليه وآله " .