من الصبي الذين لا يعرف هذه الأمور ، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى ، وإذا ثبت أنها
لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال .
ثم ذكر كثيرا من الحيل الدقيقة الصادرة عن الحيوانات كما سيأتي ، واستدل
بها على شعورها وعقلها ، ثم قال : والأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه
الحيل ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال : إنها ملهمة عن الله سبحانه بمعرفته والثناء
عليه وكانت ( 1 ) غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس ؟ ولله در شهاب السمعاني حيث
قال : جل جناب العز والجلال ، عن أن يوزن بميزان الاعتزال ( 2 ) .
وقال في قوله سبحانه : " والله خلق كل دابة من ماء " في هذه الآية سؤالات :
الأول : قال الله : " خلق كل دابة من ماء " مع أن كثيرا من الحيوانات غير
مخلوقة من الماء كالملائكة ( 3 ) ، وهو أعظم المخلوقات عددا ، وأنهم ( 4 ) مخلوقون
من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، وخلق الله آدم من التراب ( 5 )
وخلق الله عيسى من الريح لقوله : " فنفخنا فيه من روحنا " ( 6 ) .
وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن النطفة .
والجواب من وجوه :
أحدها وهو الأحسن ما قاله القفال : وهو أن " من ماء " صلة " كل دابة "
وليس هو من صلة " خلق " أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله .
وثانيها : أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي " أول ما خلق الله تعالى
جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور "
هامش
( 1 ) في المصدر : وإن كانت .
( 2 ) تفسير الرازي 24 : 10 - 12 .
( 3 ) في المصدر : اما الملائكة .
( 4 ) في المصدر : وهم مخلوقون .
( 5 ) زاد في المصدر : لقوله : " خلقه من تراب " أقول : الآية في آل عمران : 59 .
( 6 ) التحريم : 12 .