تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة وعند هذا ظهر القول بامكان وجود الجن ، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة ، وسواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة . القول الثاني : إن البنية شرط الحياة ، وإنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة . فههنا مسألة أخرى : وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا ، والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة ، وتكون الحاسة سليمة ، ثم مع هذا لا يحصل الادراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا ؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه ، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا ، واستدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية ونقلية أما العقلية فأمران : الأول : أنا نرى الكبير من البعيد صغيرا ، وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض ، مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الاجزاء التي هي غير مرئية ، فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الادراك واجبا . الثاني : إن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة ، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء ، فأما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أولا يكون ، فإن كان الأول لزم الدور ، لأن الأجزاء متساوية ، فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء ، فيقع الدور ، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة . ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى ، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط ( 1 ) لا يكون واجبا بل جائزا .
هامش
( 1 ) في المصدر : عند اجتماع الشرائط .