اسجدوا " متناولا له ، فلا يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية ، ولما استحق
الذم والعقاب فعلم أن الخطاب كان متناولا له ، ولا يتناوله الخطاب إلا إذا كان من
الملائكة .
وأجيب بأنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ منهم وطالت خلطته بهم
والتصق بهم فلا جرم تناوله ذلك الخطاب ، وأيضا يجوز أن يكون مأمورا بالسجود بأمر
آخر ويكون قوله تعالى : " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " إشارة إلى ذلك الأمر ، ورد
الأول بأن مخالطته لهم لا يوجب توجه الخطاب إليه كما حقق في موضعه ، والثاني
بأن ظاهر قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " الآية
أن الاباء والعصيان إنما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر .
هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام . لكن الظاهر من أكثر الأخبار
والآثار عدم كونه من الملائكة ، وإنه لما كان مخلوطا بهم وتوجه الخطاب إليهم شمله
هذا الخطاب ، وقوله تعالى : " وإذ قلنا للملائكة " مبني على التغليب الشايع في الكلام
وأما ما يشعر به كلام الشيخ رحمه الله في التبيان من ورود الأخبار ( 1 ) بأن إبليس كان من
الملائكة فلم نظفر بها وإن ورد في بعضها فهو نادر مأول .
وقال رحمه الله : وأما ما روي عن ابن عباس من أن الملائكة كانت تقاتل الجن
فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة ( 2 ) فتعبد معها ، فلما أمروا بالسجود لآدم
سجدوا إلا إبليس ( 3 ) فلذلك قال تعالى : " إلا إبليس كان من الجن " فإنه خبر واحد
لا يصح ، والمعروف عن ابن عباس أنه كان ( 4 ) من الملائكة فأبى واستكبر وكان من
الكافرين ( 5 ) .
هامش
( 1 ) راجع التبيان 1 : 150 و 151
( 2 ) في المصدر : " كان صغيرا مع الملائكة .
( 3 ) في المصدر : الا إبليس أبى .
( 4 ) في المصدر : ما قلناه انه كان .
( 5 ) التبيان 1 : 153 .