تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
المفكرة ، ولهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران والحريق والدخان ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج ، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار ، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب والألوان المظلمة . فهذه الأنواع الثلاثة لا عبرة بها البتة ، بل هي من قبيل أضغاث الأحلام . وأما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها متفرع على مقدمتين : إحداهما أن جميع الأمور الكائنة في هذا العالم الأسفل مما كان ومما سيكون ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى وعلم الملائكة العقلية والنفوس السماوية . والثانية : أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ وعدم حصول هذا المعنى ليس لأجل البخل من تلك المبادئ ، أو لأجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور ، بل لأجل أن استغراق النفس في تدبير البدن صار مانعا من ذلك الاتصال العام . إذا عرفت هذا فنقول : النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بتلك المبادئ ، فينطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ وهو الصور التي هي أليق بتلك النفس ، ومعلوم أن أليق الأحوال بها ما يتعلق بأحوال ذلك الانسان وبأصحابه وبأهل بلده وإقليمه . وأما إن كان ذلك الانسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات لاحت له منها أشياء ، ومن كانت همته مصالح الناس رآها . ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الأمور ، في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس بصور جزئية يناسبها ( 1 ) . ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة ، فهذا هو سبب الرؤيا في المنام . ثم إن تلك الصور التي ركبتها المتخيلة لأجل تلك المعاني قد تكون شديدة المناسبة لتلك المعاني ، فتكون هذه الرؤيا غنية عن التعبير ، وقد لا تكون كذلك إلا أنها أيضا مناسبة لتلك المعاني من بعض الوجوه ، وههنا تحتاج هذه المنامات إلى التعبير . وفائدة التعبير التحليل بالعكس ، يعني أن يرجع المعبر من
هامش
( 1 ) تناسبها ( ظ ) .