تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وقال في قوله تعالى : " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " أي بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الاقرار بالتوحيد ، ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف . قال الجبائي ويجوز أن يكون المراد به ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات ، ولكن حق القول مني أن أجازيهم بالعقاب ولا أردهم . وقيل : معناه : ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة ولكن حق القول مني أي الخير والوعيد لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من كلا الصنفين بكفرهم . وقال في قوله تعالى : " إن الله يسمع من يشاء " أي ينفع بالاسماع من يشاء أي يلطف له ويوفقه " وما أنت بمسمع من في القبور " أي أنك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم ، إذ لم يقبلوا كما لا يسمع من في القبور من الأموات . وقال في قوله تعالى : " لقد حق القول على أكثرهم " أي وجب الوعيد واستحقاق العقاب عليهم فهم لا يؤمنون ويموتون على كفرهم وقد سبق ذلك في علم الله . وقيل : تقديره : لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون ، وذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون ، فحق قوله عليهم : " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان " يعني أيديهم كنى عنها وإن لم يذكرها لان الأعناق والاغلال يدلان عليهما ، واختلف في معنى الآية على وجوه : أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل ، وتقديره : مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير ، ورجل طامح برأسه لا يبصر موطئي قدميه . وثانيها : أن المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه وتدبره لثقله عليهم ، وذلك أنهم لما استكبروا عنه وأنفوا من اتباعه وكان المستكبر رافعا رأسه ، لاويا عنقه ، شامخا بأنفه ، لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم ; وإنما أضاف ذلك إلى نفسه لان عند تلاوة القرآن عليهم ودعوته إياهم صاروا بهذه الصفة . وثالثها : أن المعني بذلك أناس من قريش هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه أبدا .