وتنصف الوضيع من الشريف ، وليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع ،
فضج طائفة ممن معك على الحق إذا عموا به ، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه ،
وصارت صنائع معاوية عند أهل الغنى والشرف ، فتاقت أنفس الناس إلى
الدنيا ، وقل من الناس من ليس للدنيا بصاحب ، وأكثرهم من يجتوي الحق
ويستمري الباطل ويؤثر الدنيا ( 1 ) . فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك
أعناق الناس ، وتصفو نصيحتهم ، وتستنزل ودهم ، صنع الله لك يا أمير
المؤمنين ! وكبت عدوك ، وفض جمعهم ، ووهن كيدهم وشتت أمورهم ، إنه بما
يعملون خبير .
فأجابه علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال :
أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله يقول : ( من عمل
صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) [ 46 / فصلت : 41 ] وأنا من
أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف .
وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك ، فقد علم الله
أنهم لم يفارقونا من جور ، ولم يلجأوا إلى عدل ، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم ،
كأن قد فارقوها ، وليسألن يوم القيامة أللدنيا أرادوا أم لله عملوا ؟
وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال ، فإنا لا يسعنا أن نؤتي
امرءا من الفئ أكثر من حقه ، وقد قال الله وقوله الحق : ( كم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) [ 249 / البقرة : 2 ]
و [ قد ] بعث [ الله ] محمدا صلى الله عليه وآله وحده فكثره بعد القلة ،
وأعز فئته بعد الذلة ، وإن يرد الله [ أن ] يولينا هذا الأمر ، يذلل لنا صعبه
هامش
( 1 ) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار : ( 34 ) من نهج البلاغة من
شرحه : ج 1 ، ص 413 .
وفي ط الكمباني من البحار : يجترى الحق ويستمري الباطل . . .